362

وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ ولم يوافق على ذلك إلخ، ولم يبين ما المراد به، وعلى هذا فيتأمل ما معنى قوله رحمه الله (وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث إلى آخره) ولعل المراد أنهم كانوا لا يعرفون الإفطار في السفر إذا تقدم الصوم في السفر كما هو المختار عندنا، وهو أن كل صوم في السفر يعقبه إفطار في السفر فهو باطل، وحجتهم كما قال في القواعد أن يقال للمسافر عليك أن تصوم ولك أن تفطر برخصة الله، فأي الحكمين التزم وجب عليه إتمامه، فإن حل ما عقد على نفسه كان هادما لما تقدم من فعله، غير مستحق لثواب عمله كالأجير الذي يرجع قبل تمام ما استؤجر عليه فلا يستحق ثواب ما مضى من عمله انتهى.

وهذا الحديث يدل على جواز الإفطار في السفر وإن تقدمه الصوم في السفر كما هو مذهب بعض أصحابنا، فإنهم ذهبوا إلى أنه لا يفسد إلا صوم وقع بين فطرين.

واستدل بهذا الحديث في الإيضاح على أنه لا بدل على المسافر لما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي هو صائم فيه، قال: لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه، وأحب أن يكون ذلك للمريض أيضا، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس وأحب أن يكون ذلك قال: خرج رسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فذكر الحديث ثم قال: فظاهر هذا يدل على أنه أفطر بعد أن بيت الصيام وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم، والقول الأول أصح انتهى وتمسك له بقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).

أقول وفيه تأمل وكيف يترك العمل بالحديث بعد صحته مع إمكان حمل الآية على غير الإفطار للصائم في السفر فإنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمراد من قوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) خصوصا مع ظاهر قوله تعالى (ومن كان مريضا أوعلى سفر فعدة من أيام أخر) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه الآية) والله أعلم، اللهم إلا أن يقال: إنه إنما فعل لسبب وهو التقوي للعدو وكما يشعر به الحديت الآتي والله أعلم.

Страница 37