Дурр Манзум
الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
ثم نقول: هذه الأخبار في الحقيقة ليست معارضة لتلك القاعدة المحررة، لأن تحقيقها: أنه لا يجوز أن تظهر المعجزة على كذاب ادعى النبوة وقال: معجزتي أنه يتفق كذا من الأمور الخارقة، فقالوا: لايجوز أن يصدق الله دعواه، ويظهر على يده بعد ذلك الكلام الصادر منه ما يطابق ما ادعاه، لأن ذلك يكون تصديقا للكاذب، ويكون سببا في أن لا يوثق بدعوى مدع ونبوة نبي، ولا يعرف الصادق من الكاذب، وهذا الدجال الموصوف في الأحاديث المعهودة قد ارتفع اللبس في شأنه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر عنه وحقق أمره، وبين نعته، وعرف «بأنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه من يكتب ومن لا يكتب»(1)، فمن علم ذلك من الأمة لم يعتبر به ومن لم يعلم ذلك فقد أتي من قبل نفسه، والتمكن من العلم قائم مقام العلم في إبلاء العذر وقيام الحجة، وأيضا فقد علمنا من ضرورة الدين أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وأنه لانبي بعده فكل كاذب بعده لايروج كذبه وإن ظهر على يديه ماظهر، ثم نقول: أمر الدجال هذا ليس مما نحن فيه، لأنه لم يدع النبوة، ولا قال أنا نبي ودليل صدقي أني أحيي الموتى أو نحو ذلك، ثم يظهر عليه ذلك مطابقا لدعواه، وإنما ادعى الرب الخالق المالك، وهذه دعوة لاتروج له ولا يلتبس على أحد له أدنى تمييز، فالأدلة العقلية القطعية قائمة على أن رب العزة من لاشبيه له ولانظير متفرد بصفات الجلال والكمال متنزه عن الأشباه والأمثال، ليس من قبيل الأجسام وله العزة التي لاترام، فلا لبس في ذلك ولا إشكال بحال من تأمل وحرر الاستدلال.
فإن قلت: الأمر كما ذكرت، ولكن ما وجه الحكمة في أن يجري الله على يديه ما يكون جاذبا للعامة إلى اتباعه وسببا في الميل إليه، إما لإلباس أمره وظن صدقه بما تولاه وجعله الله على يديه وأجراه مما هو خارج عن مقدور العباد ويتفرد بالقدرة عليه رب العزة سبحانه وتعالى، أو للرغبة في الدنيا ونيل تلك الأغراض العاجلة المحبوبة التي لاينالها من اتبعه، والسلامة من تلك الشرور المتعجلة التي تغشى من اطرحه، فإن صورة ذلك صورة الإغراء بالقبيح والاستدراج للناس إليه والإغواء والصد عن الدين، والحكيم سبحانه منزه عن هذه الأمور.
قلت: قد دل الدليل القاطع والبرهان الساطع على عدل الله وحكمته التي لايحوم الشك حول اعتقاد ذلك، وليس من فرضنا ولا مبلغ علمنا أن نعلم وجه الحكمة في كل أمر بعينه، فحال البشر يقصر عن ذلك، ألا ترى أن موسى وهو كليم الله تعالى ونجيه ونبيه وصفيه عزب عنه وجه الحكمة في أمور يسيرة بعد أن قدم إليه ما يشعر بأن وجه الحكمة فيها ثابت، ونهي عن استنكارها، فما تمالك أن استنكر، وما ثبت على التأني ولا قر، فكيف بسائر البشر المادين في تناول العلوم يأيد قصيرة والماشين في مسالكها بأقدام كسيرة:
ما للتراب وللعلوم(1) وإنما
Страница 699