558
الجواب: أما قوله صلى الله عليه وآله سلم: «من قال في

القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» فقد ذكره الترمذي وراويه جندب بن عبد الله البجلي، وأما الشطر الثاني من الحديث الأول فهو زيادة زادها رزين، وأما الحديث الثاني فهو في الترمذي أيضا.

وقد اطلعنا على كلام لبعض المحققين في شأن الخبرين يكفي في الجواب ويهدي إن شاء الله إلى الصواب، وهو: أن الرأي هنا يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه، وهو أن يتأول القرآن على وفق رأيه، وهو ليحتج به على صحيح غرضه، ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لكانت لا تلوح له من القرآن تلك المعاني، وهذا الوجه يكون تارة مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته ليلبس على خصمه، وهو يعلم أنه ليس المراد بها ذلك، وتارة مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى ما يوافق غرضه، فيكون قد فسر برأيه، فرأيه الذي حمله على ذلك التفسير.

والوجه الثاني: من المنع عن الرأي هو: أن يتسارع إلى التفسير لظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من ألفاظ مبهمة، والاختصار والإضمار والحذف والتكرار وغيرهما، فمن لم يحكم التفسير وبادر إلى الظاهر واستنبط المعنى، كثر غلطه ودخل في زمرة المفسرين بالرأي، ولابد من النقل والسماع في ظاهر التفسير أولا لينفي به مواضع الغلط ثم من بعد ينبغي التفهم والاستنباط للغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع فلا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل الوصول إلى الظاهر، ألا ترى إلى قوله: ?وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها? [الإسراء:59] يعني آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر بالعربية يعتقد أن الناقة مبصرة لم تكن عمياء، ولا يدري بما ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم، وأمثاله من الحذف كثير في القرآن العزيز.

Страница 615