490

وحاصل الأمر أن طاعة الإمام في الإقدام والاحجام لازمة له وواجب عليه، وأن اللائق بحاله المسارعة إليه(1)،[والرغبة إلى ما هنالك](2) وأن الإمام إذا سمح بسائل، أو أمر بإعطاء سائل، والانقياد إلى ذلك والمسارعة إليه من فرض العامل طاعة لله تعالى ولإمامه، واغتناما للأجر في ذلك كما ورد في الخبر المتقدم نقله: «الخازن الأمين الذي يفعل ما أمر به بتعطيه(3) كلاما موفرا ويدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين»، ولأن في ذلك كسب صنيعة، واستدعا ثناء ودعاء وشكر بغير غرامة ولا مشقة، فهل العدول من ذلك إلى المنع الذي هو معصية ومأثمة ومبتدع لأسواء الثناء وموجب الذم والملامة إلا من قبيل الخذلان والحرمان، فأقل (ما قيل)(4) ما يفعل العامل أن يتلقى ذا الحاجة ومن بيده فضل الإمام بالبشر والرحب والخلق الحسن، ويجانب التعبيس والتقطيب، وما يشين ويريب، فإن كان المطلوب منه لم يتعلثم ولم يمطل ساعة واحدة، وإن كان يده خالية وهو واثق بحصول شيء يعطيه عرفه بذلك ووعده لحصوله، وإن يكن الشيء حاصلا في جهة نازحة عرفه بذلك وسار معه، أو أرسل من يعطيه إياها، أو كتب له، وليجانب المطل الذي لا موجب له فإنه شين وتنغيص وتكدير لمروة الإمام، وجالب للملام، وإن لم يبق في يده شيء أو لم يحصل له شيء، ولا يرجو شيئا قريبا عرفه بذلك، وتأسف لعدم حصول غرضه وإحقاق مسعاه، وكتب معه إلى الإمام بذلك، وإن صدر من ذي الوصل أذى احتمله، وصبر عليه، ودفع بالتي هي أحسن، ومع التمكن من التسليم يسلم إليه ما ذكر من غير زيادة ولا نقصان، وإن خطر بباله أن هذا يستحق الزيادة على وجه له راجع نفسه: بأني أمين ليس لي أن أعطي مالم أومر به، والإمام أعرف مني بالأرجح في التقدير والأولى من القليل والكثير. وإذا خطر بباله أن هذا العطاء أكثر مما يتوجه لمثل هذا المعطي، وإن قيل: هذا(5) يجحف بالإمام فينبغي النقص. فليتأمل ليعرف أن فرضه للامتثال فقط، وأن الإمام أخص منه بذلك، وما رضي به فعليه أن يرضى به، ولا يخالفه فيه، اللهم إلا أن يستقل ما عين، فترجح له، أن يزيد زيادة مما هو له أو يستأذن الإمام فيها إن أمكنه الاستئذان ، أو يفعل ما يعقل، وله نظر الإمام في حسبانها له أو عليه وعدم مساغها له.

تنبيه: أما إذا استنكر ما ورد به وصل الإمام وجوز الغلط في الكتابة، كأن يوصل لرجل خفيف القدر بمائة أوقية بحيث أن مثل ذلك يعد خارقا للعادة، ولا يمكن تقدير وجه يقتضيه، ويقدر أن القصد إلى مائة درهم مثلا، وإنما وقع لفظة أوقية في مكانه من سهو القلم أو مثل ذلك فقد يتفق، فينبغي في مثل [هذا] (1) المقام التثبت والاستمهال حتى يتحقق الأمر، ولا عتب في مثل ذلك، وإنما الذي منعنا عنه أن يتحقق قصد الإمام إلى العطاء الكبير ويمتنع لعدم استرجاعه.

تنبيه آخر: إذا وجه الإمام لشخص شيئا إلى عامل ليعطيه إياه من ثمرة معينة، أو مصلحة مبينة، فلم يدرك منها شيئا، فلا ينبغي أن يخيره العامل في ذلك من ثمرة أو مصلحة أخرى، لأنه لم يؤمر بذلك، ولا يأمن أن يكون قد بدأ الإمام بطول المدة، واختلاف النظر، واختلاف حال المعطى في غنى وفقر وموالاة وغيرها، وأيضا فلا يأمن أن يكون الإمام قد عوضه في ذلك، فمثل هذا لا ينبغي الإقدام عليه إلا بأمر جديد.

Страница 545