یاقوته غیاصه
ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة
وذهب السيد أبو طالب والحاكم وأبو القاسم البلخي إلى أن الأمر يقتضي الوجوب من جهة الشرع دون اللغة، والذي يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب من جهة اللغة والشرع.
أما اللغة فوجهان:
أحدهما: أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعل فإنه يستحق الذم فلولا أن الأمر يقتضي الوجوب من جهة اللغة وإلا لما استحق الذم، والدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعل فإنه يستحق الذم.
والثاني: أنه لولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما استحقه.
أما الأصل الأول: وهو أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعله استحق الذم، فالذي يدل على ذلك أن العقلاء لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب.
الوجه الثاني: أن العبد إذا ترك ما أمر به فإنه يسمى عاصيا فلولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما سمي عاصيا.
أما أنه سمي عاصيا فالذي يدل عليه الكتاب فقوله تعالى: {أفعصيت أمري}.
وأما اللغة: فقول الشاعر:
أمرتك أمرا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
وأما أنه لولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما استحق هذا الاسم، فالذي يدل على ذلك أنه اسم ذم، وأهل اللغة لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب، ويدل على ذلك قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا}.
وأما الدليل الشرعي فآيات منها قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون}وقوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك}وقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}فلولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما استحق لمخالفته العذاب الأليم، وقد اعترضوا هذا بأن قالوا: إن المراد بقوله {يخالفون عن أمره}أي يكذبونه.
والجواب على ذلك من وجوه:
أحدها: أن المخالفة ضد الموافقة، والمخالفة وهو أن لا يفعل ما يقتضيه الأمر، والموافقة هو أن يفعل ما يقتضيه الأمر فلا يصح ما ذكرتموه من أن المراد أن يكذبونه.
مخ ۵۷۹