یاقوته غیاصه
ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة
أما البغداديون فإنهم يقولون: إن معنى وصف الله تعالى بأنه مريد.....أوجد أفعاله وهو عالم بها وغير ساه عنها ولا مغلوب، ومعنى أنه مريد لأفعال العباد أنه أمرهم بها ويعينهم عليها، ومعنى أنه كاره لأفعال غيره أنه نهاهم عنها، وعند أبي الحسين وابن الملاحمي أن المرجع بكونه مريدا إلى الداعي والصارف بمعنى أنه لا يفعل الفعل إلا إذا دعاه الداعي ولا يتركه إلا إذا صرفه عنه صارف.
وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه فالذي يدل على ذلك وجهان:
أحدهما: أنه تعالى أوجد أفعاله على وجوه مختلفة وهي لا توجد على وجوه مختلفة إلا بالإرادة والكراهة.
أما أنه أوجدها على وجوه مختلفة؛ فلأنه أوجد بعضها أمرا وبعضها خبرا وبعضها بهذا، وبعضها نعمة وبعضها نقمة وذلك مثل الحياة فإنها للعصاة في الدنيا نعمة وفي الآخرة نقمة.
وأما أن أفعاله لا توجد على وجوه مختلفة إلا بالإرادة والكراهة فالذي يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد فإن الواحد منا متى أوجد أفعاله على وجوه مختلفة من أمر ونهي وخبر وتهديد فإنا نعلم أنه مريد وكاره، لكن لا نعلم بمجرد الفعل ولا بخبره لأنه قد يكون ملتبسا معتما فقد يأمر بالشيء ولا يريده بأن يكون هازلا ومازحا أو مكرها على فعل شيء وهو لا يريده، ولكن نعلم ذلك بقرائن أحواله بخلاف وجوده من الله تعالى فإنا نعلم أنه مريد وكاره بمجرد وقوع أفعاله على وجوه مختلفة لأنه عدل حكيم.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أمر ونهى، والأمر والنهي لا يكونان أمرا ونهيا إلا بالإرادة والكراهة، والدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أنه أمر ونهى.
والثاني: أن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالإرادة والكراهة.
أما الأصل الأول، وهو أنه أمر ونهى فذلك ظاهر، مثل قوله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ومثل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا ولا تأكلوا مال اليتيم ولا تقتلوا النفس التي حرم الله}.
مخ ۴۸۵