یاقوته غیاصه
ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة
أحدهما: أن قولكم هذا يؤدي إلى عقاب من لا يستحق العقاب لأنه إذا لم يكن الانتصاف إلا بالعقاب وقد يكون الظالم من أهل الجنة وقد يكون ممن لا يعاقب كالصبيان والمجانيين والبهائم فيؤدي إلىعقاب أهل الجنة، وإلى عقاب من لا يستحقه وذلك لا يجوز.
الوجه الثاني: أن العقاب إنما يكون في مقابلة المعصية لأن الظالم عاصي مخطي بفعله للمعصية وبإساءته إلى الغير فلو عوقب من غير أخذ عوض لبقيت حسنة الأنبياء إلى الغير خالية عن الانتصاف كان ذلك بمثابة من يحبسه الملك ثم أخذ مال غيره أو ضربه من دون أن يستوفي لذلك الغير حقه.
وأما ما يبطل قول أبي القاسم فوجهان:
أحدهما: أن التفضل ليس بواجب بل يتفضل وقد لا يتفضل، وقد دللنا على أن الانتصاف واجب فكيف يسقط ما قد ثبت وجوبه بما هو موجب.
الوجه الثاني: أن هذا لا يسمى انتصافا ولهذا فإن الخصمين إذا أتيا إلى القاضي ثم أصلح بينهما بشيء منه سلمه لهما أو لأحدهما فإن هذا لا يسمى انتصافا وإنما يقال وهبا.
وأما الموضع الرابع: وهو في كيفية إيصال العوض إلى مستحقه.
فاعلم أنه لا يخلو إما أن يوصله في الدنيا أو في الآخرة إن أوصله في الدنيا فلا بد من ذينك الشرطين المتقدمين، وإن أوصله إليه في الآخرة، فاعلم أن العقل يقضي تبعته من له عواض وثواب ولا يقضي تبعته من عليه عوض وعقاب.
أما من له ثواب وعوض فإنه حق له ولا يمكن إيصاله إليه إلا بالبعثة فوجبت البعثة لأجل وجوبه.
وأما من عليه عوض وعقاب فإن العقل لا يقضي بوجوب البعثة لهم لأنا لا نجوز أن يعفو الله تعالى أو ما يوصل ما عليهم من دون بعثة، وإنما ورد السمع بذلك فقال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} وقال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} وحيث لا فائدة في حشرها إلا لتوفير العوض عليها لأنها ليست من أهل الثواب فتثاب ولا من أهل العقاب فتعاقب.
مخ ۴۷۹