یاقوته غیاصه
ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة
الوجه الثالث: قوله تعالى حاكيا عن المنافقين: {فسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون} فاستدللنا بهذه الآية أن القدرة متقدمة على مقدورها؛ لأن الله تعالى أكذبهم فلا يخلو إما أن يكذبهم في أنهم كانوا مستطيعين على الخروج في ذلك الوقت فلم يخرجوا، أو أكذبهم مع أنهم لم يكونوا مستطيعين في ذلك الوقت، بل أكذبهم لما قالوا استطعنا يريدون في المستقبل لخرجنا وكلاهما يحصل منه غرضنا، وهو أنه تعالى أكذبهم بأنهم لم يخرجوا في الوقت والقدرة حاصلة معهم، أو أنهم لا يخرجون في المستقبل إذا حصلت فدل هذا على أن القدرة متقدمة وليست بمقارنة لمقدورها، فلو كانت مقارنة لمقدورها لم يكذبهم الله تعالى ولخرجوا عند حصول القدرة على الخروج لكونها موجبة مقارنة.
وأما أنها صالحة للضدين فالذي يدل على ذلك وجهان:
أحدهما: أن الله تعالى قد كلف الكافر الإيمان فلا يخلو إما أن يكلفه الإيمان بقدرة الكفر أو بقدرة غيرها، إن كلفه الإيمان بقدرة غير قدرة الكفر فقدرة الإيمان ضد لقدرة الكفر فلا يجتمعان، وإن كلفه بقدرة الكفر فهو الذي نقول، فقد صلحت للضدين.
الوجه الثاني: أنا نقول لو لم تكن القدرة صالحة للضدين لجاز أن يكون الواحد منا قادرا على المشي بمائة ألف فرسخ فلا يقدر على المشي مسيرة فرسخا واحدا؛ لأن حركة بمائة ضد حركة سيرة، والمعلوم خلاف ذلك فإن الواحد منا يمشي أين ما شاء فدل على أنها صالحة للضدين.
وأما الموضع الرابع: وهو في الدليل على أن الله تعالى لا يكلف أحد ما لا يطيقه، فالذي يدل على ذلك أن تكليف ما لايطاق قبح، والله تعالى لا يفعل القبيح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن تكليف ما لا يطاق قبيح.
والثاني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح.
أما الأصل الأول: وهو أن تكليف ما لايطاق قبيح فلك في هذه الدلالة طريقان:
أحدهما: طريق أبي الحسين، وابن الملاحمي.
والثانية: طريقة القياس.
مخ ۴۵۸