تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وفي قوله: { وإياي فارهبون } دلالة على أن الكل بقضاء الله، ولا استقلال للعبد في فعله، وإلا لوجب أن لا يخاف إلا من نفسه، لأن مفاتيح ثوابه بيده - لا بيد الله -.
وفيها أيضا دلالة على وجوب معرفة الله على وجه يعلم به كون الكل بقضائه، وأن لا تأثير لأحد في حكمه ولا راد لقضائه، وهذا متوقف على علوم كثيرة، ومسائل شريفة يجب الخوض فيها، لأنها مما لا يتم هذا الواجب إلا بها، ومقدمات الواجب واجبة، فالعلم به تعالى، وبصفاته، وبكيفية أفعاله بقدر الطاقة واجب، والله أعلم بأسراره.
قرئ: " اذكروا " وهو من باب الافتعال. وقرئ: " نعمتي " بإسكان الياء واسقاطها في الدرج، وهو مذهب من لا يحرك الياء المكسورة ما قبلها. وقرئ " اوف " بالتشديد للمبالغة.
[2.41]
أمرهم بالإيمان بعد ما أمرهم بإيفاء عهد الله تنبيها على أنه العمدة في ذلك، بل لأحد أن يقول: إن الإيمان بما أنزل الله على رسوله هو عين الإيفاء بعهد الله على التأويل الذي سبق ذكره في معنى العهد، وهو النور الذي تتنور به القلوب، ويسلك به سبيل الآخرة، وينكشف به حقائق الأمور، ويطلع به الإنسان على الحضرة الإلهية، وأفعاله، وآثاره، ولطفه، وحكمته في الدنيا والاخرة، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين }.
فالنور هو جنس معاني القرآن، والكتاب آيات ألفاظه، وهو أي القرآن منزل من الله إلى قلب النبي (صلى الله عليه وآله) إن اريد به المعاني. ومنزل من السماء الدنيا على سمعه الشريف إن أريد به ألفاظه.
وكلاهما عند غيبته عن إدراك هذه الحواس الدنيوية، فإن السمع الذي كان به يسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلامه، والبصر الذي كان يبصر به شخص جبرائيل (عليه السلام) كانتا بوجه غير هاتين الحاستين العنصريتين، وإن كانتا بوجه عينهما.
أمرهم بالتصديق بهذا القرآن المنزل، وأخبرهم أن في تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتوراة والإنجيل؛ لأن الذي في القرآن مصدق لهما، ومؤكد للإيمان بهما من حيث إنه مطابق لهما في القصص، والمواعيد، والدعاء إلى التوحيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي، والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح، من حيث إن كل واحد منها حق بالإضافة إلى زمانه، مراعى فيها صلاح الأنام، ومن خوطب بالكلام من الله، حتى لو نزل المتقدم من الأحكام في أيام المتأخر منها لكان على وفقه بأبلغ وجه ولذلك قال (صلى الله عليه وآله):
" لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ".
وقيل: معناه أنه تصديق بالتوراة والإنجيل، لأن فيهما الدلالة على أنه حق، وأنه من عند الله. وفيهما البشارة ببعثة محمد (صلى الله عليه وآله)، وبيان نعوته، وصفاته، فكان الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبالقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل، وتكذيبه (صلى الله عليه وآله) تكذيبا لهما.
ناپیژندل شوی مخ