تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
فكان بعد ذلك يصلي الليل حتى تورمت قدماه، فيقولون:
" أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا " وكان يصلي بالليل ويبكي ويقول في سجوده: " أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ".
كان بعض العلماء يقول: " لا تأمن من قطع من ربع دينار خير عضو منك أن يكون عذابه هكذا غدا " نسأل الله الكريم أن لا يعاملنا إلا بفضله، إذ لا طاقة لنا بعدله.
وفي الأدعية السجادية في الصحيفة الكاملة - على قائلها وآبائه السلام والتحية -: " اللهم إن تشأ تعف عنا فبفضلك، وإن تشأ تعذبنا فبعدلك، فسهل لنا عفوك بمنك، وأجرنا من عذابك بتجاوزك، فإنه لا طاقة لنا بعدلك ولا نجاة لأحد منا دون عفوك ".
قال صاحب كتاب الإحياء بعد ذكر مخاوف الأنبياء (عليهم السلام): " فهذه مخاوفهم ونحن أجدر بالخوف منهم، لكن ليس الخوف بكثرة الذنوب، بل بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإلا فليس أمننا لقلة ذنوبنا، وكثرة طاعتنا، بل قادتنا شهواتنا، وغلبت علنيا شقوتنا، وصدتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا، فلا قرب الرحيل ينبهنا، ولا كثرة الذنوب تحركنا، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوفنا، ولا خطر العاقبة يزعجنا، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا، إن كان تحريك اللسان بمجرد السؤال دون الاستعداد ينفعنا.
ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا، وغرسنا، واتجرنا، وركبنا البحار، والبراري، وخاطرنا، وإن أردنا طلب رتبة العلم تفقهنا، وتعبنا في حفظه، وتكراره وسهرنا، ونجتهد في طلب أقواتنا، ولا نثق بضمان الله، ولا نجلس في بيوتنا فنقول: " اللهم ارزقنا " ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم، قنعنا بأن نقول بألسنتنا: " اللهم اغفر لنا وارحمنا " والذي إليه رجاؤنا وبه اغترارنا ينادينا ويقول:
أن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم:39] فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح... فنسأل الله أن يسوق إلى التوبة سرائر قلوبنا ".
تذكرة
اعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم يعظم المصيبة وعلى أن تقدم العهد يعظم المخالفة، وعلى أن الخطب في العلماء والتشديد عليهم في باب الذنوب أعظم، وعلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان مبعوثا إلى العرب، كان مبعوثا إلى بني إسرائيل.
ناپیژندل شوی مخ