تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وفي كلام بعض أكابر الكشف: " إنه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس والأبخرة، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرد تركها وعدم العود إليها. بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فإنه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة وكدورة، كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء.
والأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة يضادها، بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة، ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة، فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن والحديث، ومس خط المصحف جنبا باكرامه، وكثرة تقبيله، وتلاوته، والمكث في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه وأمثال ذلك. وكذا في حقوق الناس كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها.
فصل
ومن المسائل في باب التوبة أنها هل تصح عن بعض الذنوب، أم لا إلا عن الجميع؟
واعلم أن هذا مما اختلفت أقوال العلماء فيه، فقال كثير من العلماء منهم المحقق الطوسي في التجريد: " إن هذه التوبة غير صحيحة ". وقال الآخرون: " إنها صحيحة ".
وقال صاحب الاحياء: " إن المقام لا بد فيه من تفصيل، ولا يجوز اطلاق الصحة مجملة في شيء من الطرفين، بل نقول - لمن قال: " لا تصح " -: إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلا، بل وجوده كعدمه. فهذا خطأ بلا شبهة، فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب، وقلتها سبب لقلته.
ونقول - لمن قال: " إنها تصح " -: إن أردت أن التوبة عن بعض الذنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة والفوز، فهذا أيضا خطأ. بل استحقاق النجاة والفوز يكون بترك الجميع.
هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلم في خفايا أسرار عفو الله.
اعلم أن القائل بأن " التوبة عن البعض غير صحيحة " حجته أن التوبة عبارة عن الندم عن المعصية لقبحها - لا لشيء آخر - وإلا لما كانت توبة، والقبح مشترك بين جميع المعاصي، فمن توجع وندم عن السرقة لكونها معصية - لا لخصوص كونها سرقة - استحال أن يندم عليه دون الزنا، لأن العلة شاملة لهما. إذ من يتوجع على قتل ولده بالسيف، يتوجع على قتله بالسكين، لأن توجعه بفوات محبوبه - سواء كان بالسيف أو السكين - فكذلك المعاصي توجب للعبد فوات محبوبه، والندم إنما يكون على فعل ما يوجب فوات محبوبه من حيث إنه قبيح. فلا معنى للتندم على بعض المعاصي دون بعض، لاشتراكها في كونها حجابا بين العبد ومقصوده.
هذا ما ذكروه وهو بظاهره موجه، إلا أن فيه تفصيلا ينكشف به الغطاء. فنقول: إن الأشياء قد تشترك في معنى واحد يتحقق ذلك المعنى فيها على وجه الكمال والنقص، والقوة والضعف، فيكون في بعضها أعظم وأشد، وفي بعضها أصغر وأضعف. ومن هذا القبيل المعاصي والذنوب، فإن الجميع مشتركة في معنى واحد - هو القبح أو الظلمة أو الحجاب - لكن بعضها أكبر قبحا وظلمة وحجابا، وبعضها أصغر.
ناپیژندل شوی مخ