تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
فإذا تقرر هذا فنقول: التوبة عن بعض الذنوب إما أن تكون عن الكبائر دون الصغائر، أو عن الصغائر دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة.
أما الأول: فممكن. لأنا نعلم أن الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط الله ومقته ، والصغائر أقرب إلى العفو عنها، فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندم عليه بحسب استعظامه، وكونه مبعدا عن الله. وهذا مما ثبت وجوده في الشرع، فقد كثر التائبون في الأعصار، ولم يكن واحد منهم معصوما. فلا تستدعي العصمة. والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا شديدا، ويحذره السكر تحذيرا أخف منه على وجه يشعر بأنه ربما لا يظهر ضرر السكر أصلا. فيتوب المريض بقوله من العسل دون السكر. فهذا غير محال وجوده.
الثاني: أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض، وهذا أيضا ممكن لاعتقاد أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله، كالذي يتوب عن القتل، والنهب، والظلم، ومظالم الناس، لعلمه بأن حقوق الناس لا تترك، وما بين الله وبينه يسارع العفو إليه. وكذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلق بالعباد دون بعض لكونها متفاوتة في أنفسها، وفي اعتقاد مرتكبها.
الثالث: أن يتوب عن صغيرة أو صغائر، وهو مصر على كبيرة يعلم أنها كبيرة - كالذي يتوب عن الغيبة، وعن النظر إلى غير المحرم، وما يجري مجراه، وهو مصر على شرب الخمر - فهذا أيضا ممكن.
ووجه امكانه أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف على معاصيه ونادم على فعله - ندما قويا، أو ضعيفا - ولكن يكون لذة نفسه في تلك المعصية أقوى من ألم الخوف منه لأسباب توجب ضعف الخوف - من الجهل والغفلة وأسباب قوة الشهوة - فيكون الندم موجودا، ولكن لا يكون مليا بتحريك العزم، ولا قويا عليه، فإن سلم عن شهوة أقوى منه، بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب ترك المعصية.
وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه، لعدم مقاومة خوفه ضراوته، لضعف الخوف وقوة الضراوة. ويكون له ضراوة بالغيبة، واستماع الملاهي، والنظر إلى الغير المحرم، وخوفه من الله قد بلغ مبلغا يقاوم هذه الشهوة الضعيفة ويقمعها، ولا يقاوم شهوة أقوى من هذه الشهوة، كشهوة شرب الخمر.
بل لهذا الفاسق أن يقول: " إن غلبني الشيطان بواسطة غلبة هذه الشهوة القوية فلا ينبغي أن أخلع العذار وأرخي العنان بالكلية، بل أجاهده في بعض المعاصي، فعساني أغلب عليه فيكون قهري له في البعض كفارة لبعض ذنوبي ".
ولو لم يتصور هذا لما صح من الفاسق أن يصلي ويصوم. وقيل له: " إن كانت صلاتك لغير الله فلا تصح، وإن كانت لله فاترك الفسق لله. فإن أمر الله فيه واحد، فلا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله ما لم تقترن بترك الفسق " وهذا باطل، بل له أن يقول: " إن لله علي أمرين، ولي على المخالفة عقوبتان، وأنا ملي في أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه في الآخر، فاقهره فيما أقدر عليه، وأرجو بمجاهدتي فيه أن يكفر عني ما عجزت عنه بفرط شهوتي " فكيف لا يتصور هذا. وهو حال كل مسلم. إذ لا مسلم إلا وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته. ولا سبب له إلا هذا.
وإذا فهم هذا فهم أن غلبة الخوف على الشهوة في بعض الذنوب ممكن وجوده، والخوف إن كان من فعل ماض أورث الندم، والندم يورث العزم. وقد قال (صلى الله عليه وآله):
" الندم توبة "
ناپیژندل شوی مخ