قال: فبقي قائمًا يقول: أتوب إلى رسول الله ﷺ،فقال للكاتب: اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. (^١)
فقال قائل: كيف تقبلون هذه الأخبار، وتثبتون بها أن نزول هذه الآية كان في البدء: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] وفي ذلك تفضيل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بعذر وبغير عذر، والقاعدون بعذر لم يقعدوا اختيارًا لترك الجهاد، وإنما قعدوا عجزًا عن الجهاد، فكيف يجوز أن يستوي في ذلك فضل المجاهدين على القاعدين المعذورين، ويكونون في ذلك مع العذر الذي معهم كمن سواهم من القاعدين، ممن لا عذر معهم، وكيف يجوز أن يكون ذوو الضرر من أصحاب رسول الله ﷺ وهم في الفقه على ما هم عليه منه، والقرآن أيضًا نزل بلغتهم يظنون بالله ﷿ أنه سوى في ذلك بينهم مع العذر الذي معهم، وبين غيرهم من القاعدين عن الجهاد ممن لا عذر معه، وقد سمعوا الله ﷿ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، ولم يؤتهم الله القوة على الجهاد، وسمعوه يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وأعظَمَ أن تكون هذه الأخبار على ما قد ذكر فيها، وقال: محال أن يكون كان نزول هذه الآية إلا كما يقرؤها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥] الآية.
(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - (حـ ٤٧١٢ - ١١/ ١٠) - والطبراني في المعجم الكبير ٠ (حـ ٨٥٦ - ١٨/ ٣٣٤).