قال أبو جعفر: فإن قال قائل: أفيكون ما في حديث أبي نضرة هذا عن ابن عباس مخالفًا لما في حديث مقسم، عن ابن عباس الذي قد رويته في هذا الباب، لأن في ذلك أنه نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] ثم أنزل بعدها: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]. وفي حديث أبي نضرة ذكر ذلك كله نسقًا، فظاهره يوجب أن نزولها كلها كان معًا.
قيل له: ما بينهما اختلاف، لأن حديث مقسم إنما فيه إخبار ابن عباس عن سبب نزولها على رسول الله ﷺ كيف كان، وحديث أبي نضرة إنما فيه عن ابن عباس الإخبار بتأوليها الذي استقر عليه أمرها، وكان ذلك منه بعد رسول الله ﷺ، فكل واحد منه ومن حديث مقسم في معنى غير المعنى الذي فيه صاحبه، وإن كان ما استقرت عليه الآية فيهما جميعًا مؤتلفًا غير مختلف.
عن الفلتان بن عاصم الجرمي (^١) أنه قال: كنا قعودًا مع النبي ﷺ فأنزل عليه - وكان إذا أنزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفَرَّغ سمعه وبصره لما جاءه من الله ﷿ فلما فرغ، قال للكاتب، اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥] فقام الأعمى فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟ فأنزل الله عليه، فقلنا للأعمى: إن رسول الله ﷺ أنزل عليه.
(^١) الفَلَتَان هو: الصحابي الجليل الفلتان بن عاصم الجرمي. (أسد الغابة-٤/ ٣٦٨).