شرح طلعت شمس
شرح طلعة الشمس على الألفية
- الطريق الثالث: وهو المسمى عندهم بالإلغاء، وهو بيان إثبات الحكم بالوصف المستبقي فقط، وذلك أن يستدل القائس على إثبات الحكم لأجل وصف، ويلغي ذكر ما عداه من الأوصاف، قال ابن الحاجب: "وهذا الإلغاء يشبه نفي العكس الذي لا يفيد صحة العلة"، قال: "وهذا الإلغاء وإن أشبه نفي العكس، فليس منه؛ لأن القائس لم يقصد هاهنا لوكان المحذوف علة لانتفى عند انتفائه، وإنما قصد لو كان المستبقي جزء علة لما استقل بإثبات الحكم لأجله، ولكن يقال لا بد من أصل لذلك، فيستغني عن الأول"، قال صاحب المنهاج: "وأراد باللأول إثبات الحكم بالإلغاء المذكور؛ لأنه أثبت الحكم به أولا، فيستغني عنه بإثبات الأصل الذي احتاج في تقريره إليه، فهذه طرق الحذف التي ذكرها الأصوليون"، قال ابن الحاجب: "وطريق العمل بالسبر والمناسبة وغيرهما أنه لا بد من علة للحكم المشروع لإجماع الفقهاء على ذلك، ولقوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (الأنبياء: 107)، وهذا يقتضي أن في كل حكم شرعه - صلى الله عليه وسلم - وجه مصلحة للعباد، وهو المراد من العلة"، قال: "ولو سلمنا أن ذلك غير عام، فهو الغالب؛ لأن المتعقل للمصلحة أقرب إلى الإنقياد إليه، فليحمل عليه ، وقد ثبت ظهورها بالسبر، وأما في المناسبة فظهرت بحصول المناسبة، فيجب اعتبارها في الجميع للإجماع على وجوب العمل بالظن في علل الأحكام"، انتهى كلامه، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الطريق الثاني من طريق العلل المستنبطة، وهي المناسبة، فقال:
وإن بدا من قوة المناسبة ... بينهما فذلك المناسبه
أي وإن بدا وجه العلية بين الوصف والحكم من قوة المناسبة بينهما؛ فمعرفة العلة بهذا الطريق يسمى بالمناسبة، فالمناسبة في آخر الشطر الأول بمعنى التناسب والتلاؤم والاتفاق، وفي آخر الشطر الثاني: علم على هذا الطريق، فلا إيطاء في البيت، ومثال ما ظهرت عليته بقوة المناسبة كالإسكار في تحريم المسكرات، فإن الإسكار لما كان مغيرا للعقل، وكان هو المقصود بخطاب الشارع، ولأجله حمل الإنسان التكاليف ناسب أن يمنع الشارع من تغييره، وكذلك الصغير في ثبوت الولاية، فإن الصغير لما كان غير مميز في أحواله، وغير حافظ لماله، ناسب أن يجعل له من يحفظ له ماله، فأثبت له الشارع الولاية، وهكذا في جميع ما أشبه ذلك. فالفرق بين هذا الطريق والذي قبله: أن العلة في هذا الطريق تعرف من نفس المناسبة من غير حصر وإبقاء وحذف، وفي السبر لا تعرق العلة إلا مع ذلك، فالمناسبة في السبر شروط لصحة العلة، والمناسبة هاهنا طريق إلى معرفة العلة.
مخ ۱۳۸