517

شرح نهج البلاغه

شرح نهج البلاغة

ایډیټر

محمد عبد الكريم النمري

خپرندوی

دار الكتب العلمية

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

۱۴۱۸ ه.ق

د خپرونکي ځای

بيروت

سیمې
عراق
سلطنتونه او پېرونه
عباسيان

فإن قيل : فما معنى قوله عليه السلام : فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، أليس هذا إشعارا بقول المجبرة وتلويحا به ؟ قيل : لا إشعار في ذلك بالجبر ، ومراده عليه السلام أنه إذا امتزج في النظر الحق بالباطل ، وتركبت المقدمات من قضايا صحيحة وفاسدة ، تمكن الشيطان من الإضلال والإغواء ، ووسوس إلى المكلف ، وخيل له النتيجة الباطلة ، وأماله إليها ، وزينها عنده ، بخلاف ما إذا كانت المقدمات حقا كلها ، فإنه لا يقدر الشيطان على أن يخيل له ما يخالف العقل الصريح ؛ ولا يكون له مجال في تزيين الباطل عنده ، ألا ترى الأوليات لا سبيل للإنسان إلى جحدها وإنكارها ، لا بتخييل الشيطان ولا بغير ذلك ! ومعنى قوله : على أوليائه ، أي على من عنده استعداده للجهل ، وتمرن على اتباع الهوى ، وزهد في تحقيق الأمور العقلية على وجهها ، تقليدا للأسلاف ، ومحبة لاتباع المذهب المألوف ، فذاك هو الذي يستولي عليه الشيطان ويضله ، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، وهم الذين يتبعون محض العقل ، ولا يركنون إلى التقليد ، ويسلكون مسلك التحقيق ، وينظرون النظر الدقيق ، يجتهدون في البحث عن مقدمات أنظارهم ، وليس في هذا الكلام تصريح بالجبر ، ولا إشعار به على وجه من الوجوه ، وهذا واضح .

وحمل الراوندي قوله عليه السلام : فلو أن الباطل خلص . . . إلى آخره ، على أن المراد به نفي القياس في الشرع ، قال : لأن القائسين يحملون المسكوت عنه على المنطق ، فيمتزج المجهول بالمعلوم ، فيلتبس ويظن لامتزاج بعضه ببعض حقا ، وهذا غير مستقيم ، لأن لفظ الخطبة أن الحق يمتزج بالباطل ، وأصحاب القياس لا يسلمون أن استخراج العلة من الحكم المعلوم باطل ، بل يقولون إنه حق ، وإن الدليل الدال على ورود العبارة بالقياس ، قد أمنهم من كونه باطلا .

واعلم أن هذا الكلام الذي قاله عليه السلام حق إذا تأملته ، وإن لم تفسره على ما قدمناه من التفسير ، فإن الذين ضلوا مقلدة اليهود والنصارى وأرباب المقالات الفاسدة من أهل الملة الإسلامية وغيرها ، إنما ضل أكثرهم بتقليد الأسلاف ، ومن يحسن الظن فيه من الرؤساء وأرباب المذاهب ، وإنما قلدهم الأتباع ، لما شاهدوا من إصلاح ظواهرهم ، ورفضهم الدنيا وزهدهم فيها ، وإقبالهم على العبادة ، وتمسكهم بالدين ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وشدتهم في ذات الله ، وجهادهم في سبيله ، وقوتهم في مذاهبهم ، وصلابتهم في عقائدهم ، فاعتقد الأتباع والخلف والقرون التي جاءت بعدهم أن هؤلاء يجب اتباعهم ، وتحرم مخالفتهم ، وأن الحق معهم ، وأن مخالفهم مبتدع ضال ، فقلدوهم في جميع ما نقل إليهم عنهم ، ووقع الضلال والغلط بذلك ، لأن الباطل استتر وانغمز بما مازجه من الحق الغالب الظاهر المشاهد عيانا ، أو الحكم الظاهر ، ولولاه لما تروج الباطل ، ولا كان له قبول أصلا .

لما غلب أصحاب معاوية أصحابه

مخ ۱۴۱