شرح نهج البلاغه
شرح نهج البلاغة
ایډیټر
محمد عبد الكريم النمري
خپرندوی
دار الكتب العلمية
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
۱۴۱۸ ه.ق
د خپرونکي ځای
بيروت
فأما تأويله قول أمير المؤمنين عليه السلام : قتله الله وأنا معه ، على أن المراد به ؛ الله أماته وسيميتني ، فبعيد من الصواب ، لأن لفظة أنا لا تكون كناية عن المفعول ، وإنما تكون كناية عن الفاعل ، ولو أراد ما ذكرناه لكان يقول : وإياي معه ، وليس له أن يقول : إننا نجعل قوله : وأنا معه ، مبتدأ محذوف الخبر ، ويكون تقدير الكلام : وأنا معه مقتول ، وذلك أن هذا ترك للظاهر وإحالة على ما ليس فيه ؛ والكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقل ظاهره به من غير تقدير وحذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف ، على أنهم إذا جعلوه مبتدأ وقدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه ، ويجعل بدلا من لفظة المقتول المحذوفة لفظة معين أو ظهير ، وإذا تكافأ القولان في التقدير وتعارضا سقطا ، ووجب الرجوع إلى ظاهر الخبر ، على أن عثمان مضى مقتولا ، فكيف يقال : إن الله تعالى أماته ، والقتل كاف في انتفاء الحياة ، وليس يحتاج معه إلى ناف للحياة يسمى موتا .
وقول صاحب المغني : يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة ؛ ليس بشيء ، لأن المروي أنه ضرب على رأسه بعمود عظيم من حديد ، وأن أحد قتلته قال : جلست على صدره فوجأته تسع طعنات ، علمت أنه مات في ثلاث ، ووجأته الست الأخرى لما كان في نفسي عليه من الحنق .
وبعد : فإذا كان جائزا ، فمن أين علمه أمير المؤمنين عليه السلام حتى يقول : إن الله أماته ؟ وإن الحياة لم تنتف بما فعله القاتلون ، وإنما انتفت بشيء على فعلهم من قبل الله تعالى مما لا يعلمه على سبيل التفصيل إلا علام الغيوب سبحانه .
والجواب عن هذه المطاعن على وجهين ، إجمالا وتفصيلا : أما الوجه الإجمالي ، فهو أننا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين ، ولكنا ندعي مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق ، ولا أحبطت ثوابه ، وأنها من الصغائر التي وقعت مكفرة ، وذلك لأنا علمنا أنه مغفور له ، وأنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه : أحدها : أنه من أهل بدر ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم ' ؛ ولا يقال : إن عثمان لم يشهد بدرا ، لأنا نقول : صدقتم ، إنه لم يشهدها ، ولكنه تخلف على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لمرضها ، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره باتفاق سائر الناس .
وثانيها : أنه من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم : ' لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ' ، ولا يقال : إنه لم يشهد البيعة تحت الشجرة ، لأنا نقول : صدقتم ، إنه لم يشهدها ، ولكنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أهل مكة ، ولأجله كانت بيعة الرضوان ، حيث أرجف بأن قريشا قتلت عثمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن كانوا قتلوه ، لأضرمنها عليهم نارا ' ؛ ثم جلس تحت الشجرة ، وبايع الناس على الموت ، ثم قال : ' إن كان عثمان حيا فأنا أبايع عنه ' ، فصفح بشماله على يمينه ، وقال : ' شمالي خير من يمين عثمان ' روى ذلك جميع أرباب أهل السيرة متفقا عليه .
وثالثها : أنه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار أنهم من أهل الجنة . وإذا كانت الوجوه الثلاثة دالة على أنه مغفور له ، وأن الله تعالى قد رضي عنه ، وهو من أهل الجنة ، بطل أن يكون فاسقا ، لأن الفاسق يخرج عندنا من الإيمان ، ويحبط ثوابه ، ويحكم له بالنار ولا يغفر له ، ولا يرضى عنه ، ولا يرى الجنة ولا يدخلها ، فاقتضت هذه الوجوه الصحيحة الثابتة أن يحكم بأن كل ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفرة ، توفيقا بين هذه الوجوه ، وبين روايات الأحداث المذكورة .
مخ ۴۳