شرح فصول ابوقراط
شرح فصول أبقراط
البحث الأول:
في الصلة وهي من وجهين: أحدهما أن هذا الفصل كالمقرر والمؤكد لما في الفصل الماضي، فإن هذا الفصل يتضمن ذكر أن زوال السبب يلزمه زوال المسبب كما يلزم اختلاف الدم والاستسقاء والحيرة زوال الجنون. قال: «وإذا كان كذلك فالدفع في الصورة الأولى بالعرق لو كان دفعا تاما لما أعقبه ما ذكره لكن حصول ما ذكره دليل على أن السبب لم * يزل (31) . وثانيهما أن الأول يتضمن ذكر حدوث حالة محسوسة دالة على حالة باطنة وهذا الفصل كذلك فإنه يتضمن ذكر حالة محسوسة دالة على * حالة (32) بدنية أيضا.
البحث الثاني:
نقول الاختلاف والاستسقاء دالان على زوال الجنون. أما أولا فلأن فيهما انتقال المؤدي عن الدماغ إلى غيره لكن في الإسهال خروج المؤدي عن جملة البدن، وفي الاستسقاء عن الرأس فقط، لكن فيه أمر آخر استدرك به، ما فاته بخروج المادة عن جملة البدن باطنة . وهذا الفصل كذلك، فإنه يتضمن ذكر حالة محسوسة دالة على * حاله (33) ، وهو ميل مزاج المادة إلى الرطوبة فضادت مزاج مادة * الجنون (34) ، ووجه حدوث ذلك. أما الاختلاف، فعندما قويت الطبيعة على المادة بالمداواة انتهضت لدفع المادة المرضية عن جملة البدن، ولذلك قدمه على غيره من العلامات المحمودة. وأما الاستسقاء، فهو أن المادة إذا انكسرت حدتها قويت القوة على دفعها إلى المعاء، وحصل منها الإسهال. وإن كانت ضعيفة عجزت عن دفعها، وعند ذلك تبقى محتبسة فيها وتغمر حرارتها وتولد الاستسقاء على ما ذكرنا. وفي الحقيقة ليس هذا الانتقال بمحمود إلا أن يحمل قوله ذلك ليس على الإطلاق بل بالإضافة إلى الصورة الأولى.
البحث الثالث:
قال ابن أبي صادق: «وهذا لأن المادة انتقلت من عضو أشرف PageVW5P320B إلى ما هو أقل شرفا، والدماغ أشرف من الكبد». قال: «غير أن هذا PageVW1P169A * فيه (35) نظر، فإن الدماغ مبدأ للقوى التي بها حس الحياة والكبد مبدأ للقوى التي بها بقاء الحياة. وعلى هذا التقدير يكون ما هو مبدأ لما به الحياة أشرف مما هو مبدأ الحس الحياة. فيكون الكبد أشرف من الدماغ. والذي أقوله في هذا إن الاستسقاء أسلم من الجنون وأرجى، وذلك لوجوه ثلاثة: أحدها أن الجنون مرض حاد والاستسقاء مرض مزمن،+++ والأمراض الحادة أشد خطرا من المزمنة، وذلك لقصر زمان الحادة وطول زمان المزمنة، فتتمكن من المعالجة في الثانية أكثر من الأولى. وثانيها أن الجنون المواد فيه خارجة في كيفيتها والاستسقاء المواد فيه خارجة في كميتها، والأول إضراره بالقوة أكثر من الثاني، ولذلك سمي امتلاء بحسب القوة، والثاني بحسب الأوعية وما يكون ضرره بالقوة فهو أشد خطرا مما ضرره بالأوعية لأن القوة عليها الاعتماد في التدابير الطبية. وثالثها أن الجنون يتضرر معه التنفس الذي به بقاء الحياة بل ربما تقطل في بعض الأوقات، وإنما قلنا ذلك لأن الدماغ مبدأ للأعصاب المحركة للصدر ومبدأ للقوة المذكورة أو لصدور الفعل عنها، ومتى تضرر التنفس لم يدخل الهواء البارد على ما ينبغي ولم يخرج البخار الدخاني أيضا على ما ينبغي، وعند ذلك يتغير مزاج القلب، ثم مزاج الروح المعد لقبول الحياة، وهذا القدر وإن كان حاصلا في الاستسقاء، فإنه يضعفه للكبد عن إحالة الورم على الواجب يتغير الأرواح التي هي بخاره عن الاستعداد لقبول الحياة على ما ينبغي، لكن حصول ذلك من الجنون أسرع وأشد، فلما كان الحال في الجنون والاستسقاء كذلك مدح أبقراط انتقال الجنون إلى الاستسقاء بمعنى أن الأفة انتقلت من الحدة والشدة إلى الزمانة والتراخي. لا أنا نأخذ المقايسة بين العضوين.
البحث الرابع:
قول: «أو حيرة»، فهم جالينوس من الحيرة الجنون القوى الدائم. قال « * وذلك (36) لأنا رأينا من كان به جنون يسير فاشتد وقوي ودام، وكان به سكون جنونه». قال: «وفكرت في أمره فوجدت PageVW5P322A السبب في برؤه شدة حركة تلك الأسباب التي كانت أحدثت له الجنون كما قد نرى في الأمراض الحادة * أنه (37) إذا حدث فيها أعراض قوية، فكثيرا ما تجلب بحرانا محمودا، فالحاصل مما ذكره أن اشتداده عند انحلاله كان بصورة البحران، فإن الأعراض تشتد فيه وتقوى ثم تسكن وتؤول إلى السلامة». وفهم ابن أبي صاقد منها سكون الجنون * وهدؤ (38) حركات صاحبه، وهو أن يزول الوثوب والأقدام، ولا شك أن الطبيعة في ذلك الوقت تقوى على نضج مادة العلة ثم على دفعها، ويكون السبب في ذلك المداواة الطيبة، أي الإفراط في استعمال المبردات والمرطبات، وفهم غيره من ذلك ليثرغس وبالجنون فراططس، فإن فرانيطس كثيرا ما ينتقل إلى ليثرغس، وهو عندما يفرط الطبيب في استعمال المبردات والمرطبات، وقد يحصل الاتنقال بالعكس لكن هذا الانتقال أجود لأن ليثرغس أقرب إلى الزمانة من * فرانيطس (39) ، وقد عرفت ما في هذا، فإن قيل المفهوم مما ذكر في الانتقال إلى ليثرغس أن المادة انتقلت من كونها صفراء إلى كونها بلغما، وهذا لا يتصور، فإن الأطباء اتفقوا على أن الانتقال الأخلاط بعضها إلى بعض ممكن في البعض دون البعض، فالأول كانتقال البلغم إلى الدم وإلى الصفراء أو السوداء والثاني كانتقال الصفراء إلى البلغم، فإن هذا محال. ومثاله في الخارج انتقال اللحم المنهري إلى الفج. وأما انتقال الفج إلى المنهري فجائز وذلك مثال للصورة الأولى. فنقول: معنى قولنا في فرانيطس ولثيرغس أن الإفراط في التبريد والتسخين لم ينقل نفس المادة الموجبة لفرانيطس التي هي الصفراء إلى البلغم وبالعكس، فإن هذا محال، بل إنها أضعفت الحرارة الغريزية التي هي آلة في الهضم * وترتيب (40) على ذلك ضعف الهضم وتقصيره، ويلزم ذلك كثرة توليد المواد الباردة الرطبة، وهذه الرطوبة غريبة، ولذلك ولدت مرضا آخر مقابلا للمرض الأول. ولو كانت غريزية لما ولدت مرضا البتة. وأما قول ابن أبي صادق أن هذا الفصل من الفصول المدلسة على أبقراط، فإنه كثير الاضطراب. وأنا PageVW5P322B أقول إنه من الفصول الصحيحة المنقولة عن أبقراط، وليس فيه اضطراب البتة على ما عرفت من شرحنا له والله أعلم.
6
[aphorism]
ناپیژندل شوی مخ