شرح فصول ابوقراط
شرح فصول أبقراط
[commentary]
الشرح: هاهنا مباحث أربعة.
البحث الأول:
في الصلة. وهو أنه لما ذكر في الفصل الماضي أن دم إذا أنصب إلى فضاء غير طبيعي فإنه يتقيح ذكر في هذا الفصل ما يقابل ذلك، فإن الدوالي الدم المنصب إليها دم غير طبيعي ومع ذلك فإنه لم يتقيح. وليس لهذا علة سوى أن الفضاء المنصب إليه ذلك الدم فضاء طبيعي وهو الاوردة، فإنها محل الدم وعاؤه وفضاؤه وبينه وبينها سبة بسببها لم يتقيح، وكذلك الحال في انصباب هذا الدم إلى جهة المقعدة فإنه يخرج من أفواه العروق فإن حصل له أمر يحبسه ويمنع من خروجه فإنه يحدث البواسير ثم يخرج منها. فلو كان انصباب ذلك الدم إلى الفضاء غير طبيعي يحصل له ما ذكره أبقراط والله أعلم.
البحث الثاني:
قوله «من أصابه جنون» مراده بالجنون كل اختلاط يحصل للأفعال الدماغية عن مادة سواداوية سواء كانت مورمة له أو غير مورمة. فإن صاحب هذا الألم إذا حصل له أحد هاتين الأمرين المذكورين انتفع بهما وهما إما الدوالي أو البواسير لأن فيهما جذب المادة الممرضة إلى خلاف الجهة. قد عرفت أن الجذب تارة يكون معه استفراغ كالمحاجم بالشرط وتارة يكون خالية منه كالمحاجم بلا شرط. فلما كان الجذب كذلك ذكر في هذا الفصل ذلك فإن الدوالي فيها جذب بلا استفراغ والبواسير جذب مع استفراغ لكن يجب أن تعلم أن هذا الجذب لا ينتفع به إلا إذا كانت المادة في مبادي أحداثها للألم المذكور وإلا بعد PageVW5P293B أن يتمكن في العضو لم ينتفع به لأن المادة يكون قد استقرت في العضو الضعيف فلا يبقي حيله في إخراجها إلا من نفس العضو. وعند هذا إذا حصل شيء مما ذكره أبقراط فحصوله إنما يكون للكثرة لا لدفع الطبيعة. ولما كان الحال كذلك قال «من أصابه جنون» أي من كان قريب العهد لحدوثه ولم يقل من كان به جنون فإن قوله من كان به ذلك يفهم منه أن الجنون كان به من مدة زمانية. ومثل هذا لا ينتفع بما ذكره لما قلنا وإن كان ينتفع به كان الانتفاع قليلا بخلاف ما إذا كان الحادث قريب العهد. فإن الانتفاع بحدوث ما ذكره يكون أسرع وأكثر. ثم قال فحدث به والفاء للتعقيب أي مع كون الجنون يكون قريب العهد بالحدوث يكون حدوث الدوالي عقيب حدوثه والله أعلم.
البحث الثالث:
في معنى الدوالي. الدوالي هي اتساع عروق الساقين لكثرة ما ينزل إليها من الدم وأكثره سوداوي. وقد يكون دما غليظا بلغميا. وكيف كان يكون خاليا من العفونة وإلا لما سلمت الرجل من التقرح وأكثر عروضه للرجال المشاة والحمالين والقوامين بين يدي الملوك وأكثر عروضها بعد أمراض سوادوية لدفع الطبيعة مادتها إلى هناك والمستعدين لها والله أعلم.
البحث الرابع:
في البواسير، وهي زوائد تنبت على طرف المقعدة وسببها مواد سوداوية (167) وهي تنقسم إلى ظاهرة وباطنة، وكل منهما ينقسم إلى ثلثة أقسام: ثالولية وعنبية وتوتية. فالثالولية شبيهة بالثاليل الصفار والعنبية عريضة مدورة الرأس أرجوانية اللون. والتوتية رخوة دموية. والباطنة أردى من الظاهرة وخصوصا التي تلى أصل القضيب، فإنها ربما زاحمت البول في خروجه. وكل واحد من هذه ينقسم قسمين: مفتحة وعمى. فالأولى هي التي يسيل منها دائما والثانية لا يسيل منها شيء بل تكون متزكرة ممتلئية، وهذه ألمها أشد من ألم الأولى. وأعلم أن هذه العلل لعسرة البرؤ بل وجميع علل المقعدة، وذلك لوجوه أربعة: أحدها أنها ممر الفضلات، وثانيها أن قوى أدويتها تكون معكوسة نافذة من تحت إلى PageVW5P294A فوق، وثالثها أنها شديدة الحس، ورابعها أن وضعها في أسفل البدن، فإنه هو أحد أسباب ميلان المادة والله أعلم.
ناپیژندل شوی مخ