شرح فصول ابوقراط
شرح فصول أبقراط
في بيان علة ما ذكره في كل واحد من الأعضاء المذكورة. أما المثانة فلوجوه عشرة. أحدها عصبية جوهرها فيكون ألمها قويا جدا وذلك مما يعين على جذب المواد، وذلك مانع من الالتحام. وثانيها رقة جوهرها مع ميله إلى الصلابة، وذلك مما يعين على عسر الالتحام، فإنها بسبب الرقة تكون قابلة للخرق. وسبب الصلابة تكون عسرة الالتحام. فإن لين الجوهر مما يعين على ذلك. وثالثها قلة (146) الدم في جرمها، ومنع ذلك من سرعة الالتحام ظاهر. ورابعها مرور المائية بها، فتمنع شفتي العضو من الالتيام ولانضمام. وخامسها تندية المائية لها (147)، ومنع ذلك من سرعة الالتحام ظاهر لأنه مفتقر إلى التجفيف. وسادسها لذع المائية لها عند احتباسها وعند مرورها بها، واللذع جالب للوجع والدفع لما ذكرنا. وسابعها تزكرها بالمائية، فإن ذلك موجب للتمديد, والتمديد مفرق الاتصال غير معين على الاتحام. وثامنها كثرة حركتها للانضمام عند فراغها. والاتساع عند تزكرها. وتاسعها بعد موضعها والدواء لا يصل إليها إلا وقد ضعفت PageVW1P159A قوته لمروره بأعضاء كثيرة ومخالته رطوبات متوفرة. وعاشرها قلة ثبات الأدوية الواصلة إليها لأنها بجرئ لفضلة مستمرة الجريان والسيلان. أما الدماغ فقال جالينوس في ثانية منافع الأعضاء أن فتى أصابه نفث في أحد بطنى دماغه المقدمين فسلم، ولو أصيب فيهما لهلك (148) لا محالة. وقال في شرحه لهذا الفصل «وقد رأيت رجلا PageVW5P290A مرة واحدة في بلاد برقيا في مدينة سوريا في حياة معلمي قاليس أصابه في دماغه جراحة عظيمة غائرة فبرأ منها» إلا أن هذا من الأمور النادرة والعظيمة قاتلة، وذلك لأنها يلزمها تحليل الروح النفساني وتعطيل التنفس لأن المحركة لأعضاء الصدر انبساطا وانقباضا يتعذر عليها النفوذ إلى التهاء. وأما القلب فإن الهلاك يسبق الحام جراحته سواء كانت عظيمة أو صغيرة، وذلك لتبدد الأرواح الحيوانية التي مادة كل روح، وعند ذلك يتعطل حركته الانبساطية والانقباضية اللتان بهما حفظ المزاج الصالح لقبول الحياة، وكل ذلك لضرورة نقصان المحمول لنقصان الحامل فإن القوة الحيوانية حالة في روحها. قال الأطباء والدليل على أن الروح حامل للقوة أن السدة تمنع نفوذ القوى النفسانية والسدة لا تمنع إلا جسما والروح جسم وعندما امتنعت الروح من النفوذ امتنعت القوة من ذلك. وأما الكلى فإن خرقها متعذر الاتحام لوجوه أربعة: أحدها صلابة جوهرها، وثانيها أنها ممر الفضلات، وثالثها أن الفضلات المارة بها حادة لذاعة بورقية، ورابعها لقوة حركتها. وأما المعاء الدقاق فلوجوه أربعة: أحدها لعصبية جوهرها، وثانيها لكثرة ما ينحدر إليها من المعدة من المادة الكيلوسية وتزكرها وتمددها، وثالثها (149) لقربها من عضو رئيس وهو الكبد، ورابعها دوام انصباب الصفر إليها. وقوله «أو في بعض الأمعاء الدقاق» أي أن بعض الأمعاء الدقاق لا يمكن إلحام خرقها البتة سواء كان كبيرا أو صغيرا بخلاف غيره من المعاء الدقاق (150)، وتلك المعاء هي المعروفة بالصائم وذلك لشدة رقة جرمها (151) أو كثرة ما ينصب إليها من الصفراء الصرفة الخالصة. وخصص أبقراط الدقاق بالذكر لأن الغلاظ قد تبرأ خروقها وذلك لغلظ جرمها وكثرة لحميتها وانكسار حدة الصفراء المنصبة إليها وبعدها عن الأعضاء الرئيسة. وأما المعدة فإن كانت جراحتها غائرة (152) جدا لم يمكن إلحامها، PageVW5P290B فإن لم يكن كذلك أمكن إلحامها لكثرة لحمها وتمكن الدواء وثباته فيها وقرب موضعها عن مورده. وأما الكبد فمتى وقع فيها قطع وذهب شيء من جرمها وانخرق عرق عظيم لم يلتحم ذلك القطع لافراط النزف، فإن ذلك يجحف بالقوة (153) ويضعفها. إن حصل القطع في زوائدها فقد يبرأ صاحبها كثيرا وقد تكلمنا في كيفية انحدار هذه القطع إلى المعاء والله أعلم.
19.
[aphorism]
قال أبقراط: متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الرقيق من اللحي والقلفة لم ينبت ولم يلتحم.
[commentary]
الشرح: هاهنا بحوث ثلثة.
البحث الأول
في الصلة وهو أنه لما تكلم في الفصل الماضي في حكم من أحكام تفرق الاتصال للأعضاء مطلقا المنوية والدموية ذكر في هذا الفصل حكماء من أحكام تفرق الاتصال للاعضاء المنوية ومنه يعرف حكم تفرق الاتصال الأعضاء الدموية، فلذلك لم يفردها بالذكر ومراده بالقطع ما يعم الانفصال بالكلية وما بقي متصلا بالأصل ببعض أجزائه بدليل قوله «لم ينبت ولم يلتحم» فإن قوله «لم ينبت» عائد إلى الأول، وبقوله لم يلتحم عائد إلى الثاني، لكن قوله «لم يلتحم» لم يصح في القلفة ولا في الموضع المذكور من اللحي، وبالجملة جميع أجزاء الجلد فإنه متى انقطع منه قطعه ولم ينفصل إذا أعيدت إلى موضعها في الوقت والتصقت بما انفصلت منه وربطت فإنها تلتصق ومع ذلك فإن الحكم المذكور لا يصح في الأعضاء الصلبة إلا في سن الصبى. فإن العظام الغضاريف متى انفصلت والقى أطرافها بعضها إلى بعض فإنها تلتحم على ما ستعرفه. وأما فيما عدا ذلك، أعني في غير سن الصبى (154) فإنها إذا انفصلت لم تلتحم لكن الطبيعة تحيط بها شيئا يسمي الرشبد وإذا كان كذلك فحكم أبقراط هاهنا فيما ذكره بحسب الأغلب والاكثر فإن الأسنان التي لا تلتحم تلك الأعضاء فيها عند انفصالها أكثر من الأسنان التي تلتحم فيها والله أعلم.
البحث الثاني:
في ذكر قوله جامع لنوعي الأعضاء منه يعرف الحكم المذكور نقول الأعضاء لها أسباب أربعة: مادي وصوري وفاعلي وغائي. أما الفاعلي فهو القوى الطبيعية بالحرارة PageVW5P291A الغريزية. وأما الغائي فهو المنفعة الخاصة بكل واحد منها. بقي المادي والصوري غير أن فيضان الصوري من الفاعلي على المادة بحسب استعدادها وقبولها والمادة المتكونة منها الأعضاء مادتان المنى والدم على المذهب الحق وعلى غير هو باقي الأخلاط، فالأعضاء على نوعين منوية ودموية. ثم المنوية منها ما يتكون من المنى بغير واسطة ومنها ما يتكون منه بواسطة، والأول كالعظام والغضاريف والرباط والأعصاب والأوردة والشرايين. والثاني كالأغشية والأوتار فإنها متكونة من العصب والرباط على ما عرف التشريح والدموية. أما إن يكون من دم قريب الاستحالة إلى المنوية أو لا فالأول كالأسنان ولذلك أمكن ردها بعد سقوطها في السابوع الأول. والثاني إما أن يكون من متين الدم أو (155) من لطيفه، فإن كان الأول فهو كاللحم الأحمر، والثاني إما أن يكون من دسمه أو مما هو الغالب عليه المائية، فإن ك ان الأول فهو كالسمين الشحم، والثاني كاللحوم الغددية، والكائن من الدم والمنى غير أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا أن المنى والدم امتزجا حتى صار (156) منهما عضو واحد بل معنى ذلك أن كل واحد منهما يكون منه عضو ذلك العضو صار جزؤا من المجموع كالعضل. فإن فيه عصبا ورباطا وهما منويان ولحما وهو دموي، فهذه الأعضاء المتكونة من المنى والدم، والمراد بالتكون هاهنا الحاصل في أول الخلقة. وأما بعد وجوده فزيادته إنما هي مما يغتدي به من الدم. وهذا القول يدفع به اعتراض يورد على الأعضاء المنوية وهو أن يقال إذا جاز رد عوض ما ذهب من الاعضاء المنوية بالغداء جاز رد عوض ما ذهب منها بالتفرق بالغذاء. فنقول الذاهب من العضاء المنوية بالتحليل ليس هو جزؤا من الأصل بل هو من الأجزاء الدموية الزائدة فيه والدم موجود في البدن والذاهب بالتفرق قطعه من الأصل ومادة الأصل ليست موجودة هناك. وإن كانت موجودة في البدن لكن وجودها فيه على سبيل إنها فضلة مستغني عنها محتاج إلى قدفها وخروجها. فإن قيل فلم لا يقال أن طبيعة العضو المنوي الذاهب PageVW5P291B منه القطعة تحيل ما يصل إليه من الدم إلى المنى ثم يكون منها عوض ما قد ذهب. فنقول في محل توليد المنى خلاف قد عرفته فعلى قول من جعله متولدا في كل عضو تكون طبيعة العضو المتغرق عاجزة عن إحالة [L5 159b] الدم الواصل إليه إلى الصورة المنوية ثم منه إلى العضوية بسبب مانا لها من ألم التفرق. وعلى قول من جعله متولدا في الأنثيين لا يجوز إعادته البتة فإن البدن الذاهب منه إن كان فيه منى فهو فضلة فيه محتاج (157) إلى قذفها ودفعها. وفي هذا الباب تفصيل أخر سنذكره.
ناپیژندل شوی مخ