362

برزوا: معناه صاروا في البراز، وهو الأفيح من الأرض المتسع، والإفراغ: أعظم الصب، وكان جالوت أمير العمالقة، وملكهم، وروي في قصة داود وقتله جالوت أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود، وهم بنو أيش، وكان داود صغيرا يرعى غنما لأبيه، فلما حضرت الحرب، قال في نفسه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر، فناداه: يا داود، خذني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر، ثم آخر، ثم آخر، فأخذها، وجعلها في مخلاته، وسار، فلما حضر البأس، خرج جالوت يطلب مبارزا، فكع الناس عنه حتى قال طالوت: من برز له، ويقتله، فأنا أزوجه ابنتي، وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال: أنا أبرز له، وأقتله، فقال له طالوت: فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة، فلما مشى قليلا، رجع، فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه، إن لم يقتله لي، ويعينني عليه، لم ينفعني هذا الفرس، ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي، قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، 63 ب فنزل، وأخذ مخلاته، / فتقلدها، وأخذ مقلاعه، فخرج إلى جالوت، وهو شاك في السلاح، فقال له جالوت: «أنت، يا فتى، تخرج إلي» . قال: نعم، قال: هكذا كما # يخرج إلى الكلب، قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن اليوم لحمك الطير، والسباع، ثم تدانيا، فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت، فصارت واحدا، فأخذه، ووضعه في المقلاع، وسمى الله، وأداره، ورماه، فأصاب به رأس جالوت، فقتله، وحز رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحاب طالوت، وكانت الهزيمة، ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال له: إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر، ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة «1» الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم «2» ، وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، وطلب امرأته، فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود، فيروى أن طالوت تخلى له عن الملك، وصار هو الملك، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وذلك كله لين الأسانيد فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية، ويعلم به مناقل النازلة.

وأما الحكمة التي آتاه الله، فهي النبوة، والزبور، وعلمه سبحانه صنعة الدروع، ومنطق الطير، وغير ذلك من أنواع علمه- صلى الله على نبينا وعليه-.

وقوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ... الآية:

أخبر الله سبحانه في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر، لفسدت الأرض لأن الكفر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله إلى أن جعل ذلك في أمة محمد إلى قيام الساعة له الحمد كثيرا.

ص: ولكن استدراك بإثبات الفضل لله سبحانه على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقدير لأن «لكن» تكون بين متنافيين بوجه ما- انتهى.

والإشارة ب تلك إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معدين لحرب الكفار، فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس، والثقة بالله سبحانه، وغير ذلك من وجوه العبر.

مخ ۴۹۷