558

============================================================

ومن ذلك قوله فيمن قال : جميع مالي صدقة ، إن الصدقة إنما تلزمه بذلك في أمواله الزكوية فقط ، وذلك نظرا الى أنه لو لم يمسك ما عدا الزكوي من أمواله لاحتاج الى أن يسأل الناس ، ولا يحسن أن يتصدق بماله ثم يسأل الناس .

هذا وعلى الرغم مما أثبتناه من اتفاق الأئمة الاربعة على اعتماد المصالح ليلا في الاجتهاد، فقد اختلفت آراؤهم في أحكام بعض المسائل المصلحية - وقد يبدو للباحث - إذا لم يتأمل في أسباب خلافهم فيها - أن سبب ذلك انما هو اختلاف موقفهم من المصالح المرسلة من حيث الاعتبار وعدمه : والحقيقة أن الأمر في هذه المسائل الفرعية ليس كذلك . فالخلاف فيها ناتج عن أسباب أخرى ، تتمثل في غالب الاحيان ، في تحقيق المناط ، أي مصدر خلافهم فيها هو خلافهم في جلاء المصلحة المرسلة في هذه الفروع جلاء كافيا لاقامة الحكم الشرعي عليه ، فقد يرى بعضهم أن المصلحة المعتد بها في الشريعة اسلامية متحققة في فرع من الفروع ، وأنه لا يفف في سبيل إقامة الحكم على قفها أي مانع شرعي آخر ، فيستصلح بموجبها، ويبني الحكم عليها . على حين يرى البعض أن تلك المصلحة غير وافية الشروط أو أن مصلحة أخرى تعارضها ، او أن أصلا آخر من أصول الشريعة يصادمها ، فيحجم عن الأخذ بها وبناء الحكم عليها. والكل متفقون على المبدأ ، وعلى الأخذ بالمصلحة المرسلة إذا سلمت من الشوائب والمعارضات.

وربما ظهرت المسألة الخلافية بين بعض الأئمة بمظهر المسألة القائمة على الاستصلاح ، فيوهم الباحث أن حقيقة الاستصلاح هو مناط الخلاف . في حين ان المسألة ليست كذلك ، وانما هي قائمة على أدلة أخرى لم يتضح وجه الدلالة فيها بشكل واحد للجميع : لعل مثل هذه المسائل الخلافية ، من أهم العوامل التي تخيل للباحث أن الأئمة ختلفون في أمر المصالح المرسلة اختلافا جذريا .

قبل الانتقال الى سرد بعض المسائل التي ذكر أنها تفرعت على القول

مخ ۵۵۸