351

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وترى من هذا كيف كان الراجح في المذهب الحنبلي أشد المذاهب في هذا الباب من الطهارة المعنوية.

ح - ومن الفروع التي تدل على تشدد أحمد في الطهارة أنه أفتى بوجوب الوضوء بمن أكل لحم الإبل، أي أن أكل لحم الإبل سواء أكان نيئاً أم كان مطبوخاً، أو كان شواء، ناقض للوضوء، لا تصح الصلاة إلا بعد الوضوء، وقد خالف في ذلك المذاهب الإسلامية الأخرى المشهورة، وقد استدل أحمد على ذلك بما رواه بإسناده أن النبي ﷺ قال: ((توضئوا من لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم))

وقد رد الجمهور الاستدلال بهذا الحديث، وقالوا إنه نسخ بقول الرسول ﷺ: ((الوضوء مما يخرج لا مما يدخل)) وبما روى أبو داود عن جابر أنه قال: ((كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار))

وقد رد الحنابلة الحديث الأول بأنه موقوف على ابن عباس، وحديث الوضوء من لحوم الإبل أصح منه، فيقدم عليه. وأما الحديث الثاني، فقد قال فيه المغني:

وحديث جابر لا يعارض حديثنا، لصحته وخصوصه أي لكون الحديث الذي يروونه صحيحاً، وكونه خاصاً، وحديث جابر عام والعام محمول على الخاص، ثم قال: ((فإن قيل حديث جابر متأخر، فيكون ناسخاً، قلنا لا يصح النسخ به لوجوه أربعة:

(أحدها) أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن..

(الثاني) أن أكل لحوم الإبل إنما نقض الوضوء لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض، وإن كان نيئاً، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت نسخ الأخرى.

(الثالث) أن خبر جابر عام والعام لا ينسخ به الخاص؛ لأن من شروط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل الخاص.

350