350

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

(أحدهما) أن الحكم ثبت غير معلل، فلا يصح تعديته.

(وثانيهما) أن الليل مظنة النوم والاستغراق فيه، فاحتمال إصابة يده النجاسة ولا يشعر بها أكثر من احتمال ذلك في نوم النهار، ولذا قال أحمد رضي الله عنه في رواية الأثرم: ((الحديث في المبيت بالليل، فأما النهار فلا بأس به))(١)

هذه هي الرواية الأولى. أما الرواية الثانية، فهو أن غسل اليد عند القيام من نوم الليل مستحب، وليس بواجب، وهذا رأي جمهور الفقهاء، والحديث محمول على طلب الاستحباب لا الوجوب.

ز - ومن الأمثلة التي تدل على انفراد اتباع أحمد بالتشدد في الطهارة أنهم انفردوا من بين فقهاء المذاهب الأربعة بوجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فإن فقهاء المذاهب الثلاثة اتفقوا على أن المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء لا من فرائضه؛ لأن فرائض الوضوء تبينها الآية الكريمة:

((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)).

ولكن الحنابلة قرروا أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء وجوبهما في الغسل؛ لأن الفم والأنف من الوجه فيجب غسلهما، في الوضوء، وذلك بالمضمضة والاستنشاق. ولأن النبي ﷺ قال: ((من توضأ فليستنشق)) وروت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: ((المضمضة والاستنشاق)) من الوضوء الذي لابد منه. ولأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ مستقصياً ذكر أنه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما؛ لأن فعله يكون بياناً وتفصيلاً للوضوء المأمور به. وهذه هي الرواية التي يرجحها الحنابلة، ومقتضاها وجوب المضمضة والاستنشاق ولا وضوء بغيرهما، وهناك رواية أخرى تجعلهما مسنونين في الوضوء وواجبين في الغسل، وهذا رأي أبي حنيفة وأبي ثور، ورأى مالك والشافعي أنهما مسنونان في الوضوء والغسل معاً؛ لأنهما من الفطرة، والفطرة السنة.

(١) المغني ج ١ ص ٨١

349