Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الصحيح؛ لأنه غير قادر على استعمال الطاهر، فأشبه ما لو كان بجوار بثر لا يمكن أن يستقى منه (١)
هـ - ومن الأمثلة على تشددهم أن بعضهم يحكمون بأن الأواني التي يستعملها المجوس وعبدة الأوثان، ونحوهم لا تستعمل قبل تطهيرها بخلاف أواني أهل الكتاب. من اليهود والنصارى فإنها طاهرة تستعمل من غير حاجة إلى تطهير واجب.
والذي قال قبلهم ذلك القول أي وجوب تطهير الأواني التي يستعملها الوثنيون هو القاضي أبو ليلى، وحجته أن آنيتهم لا تخلو من أطعمتهم، وذبائحهم في حكم الميتة ولا تخلو آنيتهم من وضعها فيها. وقال أبو الخطاب من الحنابلة حكم آنيتهم حكم آنية أهل الكتاب وثيابهم وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تتيقن نجاستها، وهو مذهب الشافعي وسائر الأئمة؛ لأن النبي ﷺ توضأ هو وأصحابه من مزادة مشرك، ولأن الأصل الطهارة فلا تزول إلا بالشك.
وإن الحنابلة يرجحون قول القاضي الذي يقرر أنها لا تستعمل قبل غسلها؛ لأن ظاهر كلام أحمد يدل عليه، فقد روي أنه قال في المجوس: لا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة؛ لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في أطعمتهم.
وترى من هذا كيف يتشدد الحنابلة فيغلبوا جانب النجاسة على جانب الطهارة. مع أن الأصل هي الطهارة وذلك من التشدد والمبالغة في الاحتياط.
و - ومن الأمثلة التي تدل على تشددهم في أمور الطهارة انفرادهم من بين المجتهدين بوجوب غسل اليد عند القيام من النوم بالليل فإنه قد اختلفت الرواية عند الحنابلة بوجوب ذلك، فروي عن أحمد وجوبه وهو الظاهر عنه، واختيار أبي بكر، والحجة في ذلك قول النبي ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء - ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» وأمره يقتضي الوجوب ونهيه يقتضي التحريم، وعبارة «لا يدري أين باتت يده» تدل على أن الحديث وارد في القيام من نوم الليل ولا يصح قياس غير الليل عليه لوجهين:
(١) المغني ج ١ ص ٥٢
348