345

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وينذرهم، ويمنع مناظراتهم ويحملهم على الاستخفاء بمذهبهم.

وبهذا أعطوا صورة لمعاصريهم، ولمن جاء بعدهم تومىء بتشددهم، وتذاكر الناس بعدهم أمر هذا التشدد، فجعلوا الحنبلية عنوانا عليه، ووصفا له.

٢٣٥ - وقد اشتهر الحنابلة بالتشدد في أمر الطهارة والنجاسة، حتى صار من يكون عنده وسوسة فيها يوصف بأنه حنبلي، وأطلق ذلك بين أهل مصر، فيذكرون الحنبلية في مقام المدح، أو المغالاة في العبادة والطهارة والنجاسة. ولقد راجعنا هذا الباب من أبواب الفقه في الفقه الحنبلي، فوجدنا ما يدل على صحة الوصف، وجعل الحنبلية مرادفة للتشدد والمبالغة في الطهارة.

ووقع نظرنا على فروع كثيرة وقفوا هم دون غيرهم من المتبعين للمذاهب الأربعة في موقف الشدة، ولنضرب لك بعض أمثلة:

أ- فمن ذلك ما قرروه في نجاسة سؤر الكلب وما يلغ فيه(١)، فلقد قرروا كما قرر الشافعية أن الإناء الذي يشرب منه الكلب ينجس ولا يكتفى في تطهيره بما يكتفى به في غيره، بل لابد من الغسل عدداً من المرات، وأن يضاف إلى الماء مرة بالتراب، فيطهر به مع الماء، والكلب والخنزير في ذلك سواء، عند الحنابلة. ولكن مع اتفاقهم مع الشافعية في الكلب فإنه يروى عن أحمد رواية أخرى مشددة، فإن الشافعية يرون أن غسل الإناء من سؤر الكلب يكون بسبع إحداهن بالتراب الطاهر، ويوافق بعض الحنابلة الشافعية في ذلك، ولكن يروى عن أحمد أن التطهير يكون بثماني مرات، والتطهير بالتراب هو الثامنة، لأنه روى أن النبي ﷺ قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب. وترى من هذا أن التشدد يروى عن أحمد، وله حديث، مع أن أصل ذلك فيه تشدد في ذاته؛ إذ أن الأصل على مذهب الشافعي، وقول بعض الحنابلة لابد من سبع، ولابد من التراب. وقد استدل الشافعي، وأصحاب ذلك الرأي، وهو الأصح، بقوله ﷺ:

(١) قال المالكية والحنفية إن سؤر الكلب نجس، والخنزير نجس العين، وتطهير الإناء من مؤرهما كائر أنواع الطهارات.

344