Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الحنبلية
٢٣٤- شرحنا في الفصل السابق كيف كان المذهب الحنبلي في العقود والشروط أوسع المذاهب الإسلامية رحاباً، وأخصبها جناباً، والأصول التي تأدت به إلى ذلك. والآن نريد أن نبين السبب الذي من أجله وصف ذلك المذهب الكريم بالشدة، مع سهولته في العقود والشروط، وهي لب التعامل الإنساني بين الآحاد والجماعات. وسندرس في سبيل ذلك بعض أبواب الطهارة كما وعدنا من قبل، ولكن قبل ذلك نعرض لبعض الأسباب العامة التي وصفت المذهب بذلك الوصف، وجعلته مثلاً للتشدد في الدين؛ إذ جعلت الحنبلية وصفاً للشدة.
ذلك لأن الإمام أحمد رضي الله عنه كان يشدد على نفسه في كل ما يتصل بالنزاهة، وشرف النفس، وحفظ الدين وصيانته، والاستمساك بالآثار السلفية، والمحافظة عليها التي طلبها من كل البقاع الإسلامية، ثم حفظها وكتبها خشية أن تشبه عليه، وأن يعرض لها النسيان، وكان يختار لنفسه الخطة الشديدة، ولغيره الخطة اللينة الرفيقة، يمتنع عن أخذ مال الخلفاء نزاهة لنفسه، وإن أباح لغيره الانتفاع بها، حتى الحج منها، ويرى أن غلات الدور لا زكاة فيها، ولكنه يبلغه أن بعض الصحابة أفتى بجواز أخذ الزكاة منها، فيوجبها على نفسه، ورأيه أنها ليست بواجبة، ولكنه يحتاط لنفسه ودينه دائماً.
وقد وجد من أتباعه في القرن الثالث والرابع من أخذوا أنفسهم بذلك النحو، حتى إن كثيراً من كانوا يدرسون حياة أحمد ويسلكون طريقته، ويأخذون بمذهبه يغلب عليهم النسك والعبادة فينقطعون لذلك، ويشددون على أنفسهم، ومنهم من كان يغالي فيشدد على العامة، ويغلظ عليهم، حتى إنه ليذكر ابن الأثير في تاريخه أنه في سنة ٣٢٣ قامت فتنة في بغداد بسبب شدة الحنابلة فأراقوا الأنبذة، وهاجموا دور القواد، وكسروا أدوات الغناء، وضربوا المغنيات، وكلما رأوا رجلاً يمشي مع امرأة استوقفوهما، وسألوهما عن العلاقة الرابطة بينهما، ويندر أن يسلم منهم أحد، وأغلظوا على الشافعية، وعلى الشيعة في تقديس أئمتهم، مما جعل الخليفة يهددهم،
343