335

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

والأصل في العقود رضا المتعاقدين، ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد، لأن الله تعالى قال في كتابه ((إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) وقال: ((فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً))، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب، فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات قياساً بالعلة المنصوصة التي نص عليها القرآن، وكذلك قوله تعالى: ((إلا أن تكون تجارة عن تراض)) لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك التبرع والتجارة، فإذا تراضى العاقدان، أو طابت نفس المتبرع بتبرعه ثبت حله))(١)

وينتهي القول إلى أن المذهب الحنبلي في نظر بعض الحنابلة يقرر أن إرادة العاقدين لها التأثير الأول في تكوين مقتضيات العقد، وذلك بإذن عام من الشارع يجعل الرضا أساس الالتزام وبأمر عام، هو الوفاء بالعقود.

٢٢٧ - وقد علمت أن جمهور الفقهاء يرون أن الشارع لم يعط حمايته إلا للعقود التي تتفق آثارها التي يريدها العاقدان مع مقتضياتها التي نص عليها، أو قام عليها الدليل من نص أو قياس، أو استدلال بأي وجه من وجوه الاستدلال الشرعي المعتبر، فما خالف هذه المقتضيات لا يلتفت، أو يأتي على عقد الالتزام بالإفساد.

وقد انبنى على مخالفة هؤلاء الحنابلة لجمهور الفقهاء في مقتضيات العقود وآثارها، اختلافهم معهم في حرية التعاقد، والشروط المقترنة بالعقود؛ فالحنابلة يقررون أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، والناس أحرار في أن يعقدوا أي عقد كان وبأي شروط كانت، وما يعقدونه يجب الوفاء به من غير تقييد بمقتضى خاص، وكل هذا ما لم يشتمل العقد على أمر حرمه الشارع، ونهى عنه كالربا، فما لم تشتمل تلك العقود على أمر محرم بالدليل الشرعي، فالعاقد حر فيها، يعقدها بأي شرط شاء

(١) فتاوى ابن تيمية الجزء الثالث ص ٢٣٩

334