Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
توافرت تلك الإرادة ثبتت الآثار التي ارتضاها العاقدان، فمقتضى العقد عند القانونيين لإرادة العاقدين أثر في تكوينه، وليس كله من عمل الشارع.
أما عند الفقهاء المسلمين، أو على التحقيق عند جمهورهم، فالإرادة تنشئ العقد وأحكام العقد وآثاره من عمل الشارع؛ فمقتضيات العقود كلها تثبت بدليل شرعي وليس للعاقد أن يضيف شيئًا إليها، أو يقيد هذه المقتضيات، إلا إذا قام دليل من الشارع عليها، يجيز التزامها والوفاء بها.
٢٢٦ - وإذا كان ذلك نظر الجمهور فمن الحق أن نقرر أنه قد خالف الجمهور في هذا كثير من الحنابلة، وبعض من المالكية ساروا في مسارهم، وقد بنى هؤلاء الحنابلة نظرهم في هذا على أن الشريعة دعت إلى قاعدة عامة وهي الوفاء بالعقود وذلك بقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) وتلك القاعدة الثابتة بهذا النص المحكم تقرر سلطان الإرادة في إيجاد الالتزامات الناشئة بالعقد، وفوق ذلك هناك قاعدة أخرى ثابتة بنص محكم أيضًا، وهي قاعدة اعتبار الرضا أساسًا لنقل الحقوق وإسقاطها؛ وصدور الإذن العام بذلك من الشارع الحكيم، بقوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم))، ففي هذه الآية الكريمة جعل الرضا سببًا ملزمًا لصاحبه بما التزمه.
ويتبين من هذا الكلام أن الشارع الذي يحمي الحقوق، ويرتب الأحكام هو الذي يأمر ويقرر أن كل ما يتفق عليه العاقدان برضاهما يلزمهما الوفاء به، فيكون جعل الإرادة هي المؤثرة في مقتضيات العقود إنما كان بحكم الشارع وأمره، ولقد قرر هؤلاء نظر الحنابلة في ذلك ابن تيمية، فقال:
((إن العقود إنما وجب الوفاء بها، لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقًا، إلا ما خصه الدليل، على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل والعقلاء جميعهم، وأدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي(١) ...
(١) الذين حكموا بمقتضى الوجوب العقلي المعتزلة من علماء الكلام. أما الفقهاء عامة، فيرون أنه لا وجوب إلا حيث يوجب الشارع.
333