329

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ولقد استدل على تحريم البيوع الربوية التي تسمى ببيع العينة أي التي يتوسط في التعامل فيها بالرباعين بأن يبيع الشخص عينا بثمن مؤجل، ثم يبيعها لبائعها بثمن معجل أقل فيكون الفرق ربا - بما ذكر من سد الذرائع للربا، وبحديث تكلم العلماء في سنده، وهو ما روي من النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله عليهم بلاء، فلا يرفعه، حتى يراجعوا دينهم)).

ولقد توسع المالكية والحنابلة في معنى هذا البيوع الربوية، وضيق الشافعي باب التفسير، جازت بمقتضى ذلك عقود ربوية كثيرة، ولقد قال القرافي في ذلك: ((من باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فمالك (ومعه أحمد) يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن، وأخذ عشرة إلى آخر الشهر فهذه وسيلة السلف خمسة بعشرة إلى أجل بإظهار صورة البيع لذلك، والشافعي ينظر إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره، فيجوز ذلك، وهذه البيوع يقال إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك (ومعه أحمد) وخالفه الشافعي)).

٢٢٠- وترى من هذا كيف اختلف النظر الحنبلي والمالكي عن نظر الشافعي؛ فأنهما ينظران إلى مآلات الأفعال نظرة اجتماعية تقدر الوقائع المترتبة، ولا تقتصر في نظرها، على الصور الفردية الواقعة؛ فهما ينظران إلى الثمرات المترتبة في مجموعها لا إلى الوقائع في آحادها، ولا شك أن ذلك النظر كما قلنا أسلم، وأجدر بالشرائع التي تجيء قاصدة إلى إصلاح الجماعة، وترمي إلى تكوين بنيانها على أسس من الفضائل الخلقية والاجتماعية.

٢٢١- ولئن قررنا أن أحمد يتفق مع مالك في النظر في المآلات ومخالفة الشافعي في عدم النظر إلى ذلك، فإن هناك أمراً، نرى فيه الحنابلة وقد انفردوا بمخالفة الشافعي فيه، وهو النظر إلى المقاصد التي يرمي إليها العاقد من عقده، فإن الشافعي قد رأيناه يقرر أن النية ليس لها أثر في الحكم على العقد من حيث الصحة والفساد قط، ما دامت هذه النية لم يكن هناك شرط صريح مقترن بالإنشاء يدل عليها،

328