325

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

موازنة بين الشافعي وأحمد في الذرائع

٢١٥ - كان أكثر الفقهاء أخذًا بالذرائع أحمد ومالك رضي الله عنهما، وأقل الفقهاء أخذًا بها الشافعي، وكان أبو حنيفة وأصحابه أقرب إلى الشافعي في القلة ولم يقاربوا مالك وأحمد، وذلك بعد إجماع الجميع على نوع من الذرائع، أخذًا، وعلى نوع آخر ردًا، فقد أجمعوا على أن ما يؤدي إلى إيذاء جمهور المسلمين ممنوع لا محالة كفر الآبار في الطرق العامة، أو إلقاء السم في طعامهم، ولعل من ذلك في عصرنا رمي جراثيم الأمراض في مياه الشرب، ومن هذا النوع الذرائع التي جاء بها النص، كسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى إن سمع ذلك.

وقد أجمعوا أيضًا على أن ما يكون سبيلًا للخير والشر، ويكون في فعله فوائد للناس لا يكون ممنوعًا كغرس العنب، فإنه يؤدي إلى عصره، وتخميره، ولكن لم يكن ذلك بأصله، ولأن استخدامه لذلك احتمالي، والمنفعة في غرسه أكبر من هذه المضرة، والعبرة بالأمر الغالب، أو الراجح في الظن.

٢١٦ - وفيما عدا القسمين السابقين كان الخلاف، فالشافعي رضي الله عنه نظر إلى الأحكام الظاهرة، وإلى الأفعال عند حدوثها، ولم ينظر إلى غاياتها ومآلاتها وقال في ذلك.

((الأحكام على الظاهر، والله ولي الغيب، من حكم على الناس بالأزكان (١) جعل لنفسه ما حظر الله تعالى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل إنما يتولى الثواب والعقاب على المغيب؛ لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه، وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة - كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما وصفت من هذا يدخل في جميع العلم))

وهذه الظاهرية هي التي يستمسك بها أشد الاستمساك، وينهى فيها عن تظنن غايات للأمور لم تكن قائمة ولا ثابتة وقت الفعل أو التصرف، لأن الأخذ بذلك أخذ

(١) الأزكان: الفهم بالظن، والاسم الزكانة

324