323

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وإن الحكم بأن الفعل مع أنه تلبس بالمعصية يصبح مطلوبا هو في الحقيقة من باب الذرائع، لأن السبيل للطاعة صار طاعة، وإن كان في أصله معصية، وقد اختلف علماء المذهب الحنبلي في تخريجه، فخرجه بعضهم بأن الفعل ينقلب طاعة، لأنه السبيل للطاعة، وخرجه بعضهم على أنه عفو عن المعصية، وإن كان مطلوبا، وإليك نص ما جاء في كتاب القواعد لابن رجب، فقد جاء فيه ما نصه:

((والكلام ها هنا في مقامين.

(أحدهما) هل تصح التوبة في هذه الحال، ويزول الإثم بمجردها، أم لا يزول حتى ينفصل عن ملابسات الفعل بالكلية، فيه لأصحابنا وجهان.

(أحدهما) وهو قول ابن عقيل أن توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم بمجردها ويكون تخلصه من الفعل طاعة، وإن كان ملابسا له، لأنه مأمور به فلا يكون معصية، ولا يقال من شرط التوبة الإقلاع ولم يوجد؛ لأن هذا هو الإقلاع بعينه، وأيضاً فالإقلاع إنما يشترط مع القدرة عليه دون العجز، كما لو تاب الغاصب، وهو محبوس في الدار المغصوبة أو توسط جمعا من الجرحى متعمدا، ثم تاب، وقد علم أنه إن أقام قتل من هو عليه، وإن انتقل قتل غيره، لكن هذا من محل النزاع(١) أيضا))

((والوجه الثاني، وهو قول أبي الخطاب أن حركات الغاصب، ونحوه في خروجه ليست طاعة، ولا مأمورا بها، وهي معصية، ولكنه يفعله لدفع أكبر المعصيتين بأقلهما، وأبو الخطاب وإن قال ليست طاعة هو يقول لا إثم فيها، بل يقول بوجوبها، وهو في معنى الطاعة))(٢)

د - ومن الأخذ بالذرائع عدم قبول توبة الزنديق الذي ارتد، وكان مشهورا بالزندقة، فإن المقرر في الإسلام أن المرتد يستتاب، فإن تاب كان مسلما، وإن لم يتب قتل، ولكن استثنى من المرتدين الزنادقة إذا ارتدوا؛ لأنهم يتخذون عنوان

(١) صورة هذه أن يكون هناك جرحى مثخنون قد ألقوا في الأرض، فيمر عليهم عامدا، وهذا إثم، ثم يبدو أن يرجع تأثبا، أن عاد قتل وأن بقي قتل، وهذا نتيجة لتوبته بمجرد صدورها؛ لأن الإقلاع متعذر من غير معصية أكبر؛ إذ من يمر عليهم سيقتلون، فيكون في الإقلاع إثم مؤكد.

(٢) قواعد ابن رجب ص ١٠٦

322