Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
على ذلك لا يدخل في الذرائع إلا الأقسام الثلاثة، ولكن يلاحظ أن الفعل أو القول قد يكون في ذاته محرماً، واتخذ ذريعة لمحرم آخر أكبر، فينال حظه، كالنميمة بقصد التحريض على القتل، وهذا يكون حراماً لذاته، ولأنه ذريعة لإثم أكبر منه فيجتمع له السوء من ناحيتين؛ إذ يجتمع له المنعان، المنع لذاته، والمنع لغيره، فتضاعف المنع، وقوي التحريم.
وإذا كان الأمر في ذاته جائزاً أو مطلوباً، ولكنه يؤدي إلى محرم، فإن تحريمه يتفاوت بتفاوت مقدار إفضائه إلى ذلك المحرم، وبمقدار الحرمة في القصد فإذا كان إفضاؤه إلى المحرم حتمياً كان حراماً، وإن كان إفضاؤه بغلبة الظن كان على قدر ذلك، وإن كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً لم يلتفت إلى ذلك؛ لأن النادر لا حكم له
٢١٢ - وفي الصور السابقة كلها كان الطريق إلى المحرم إما أن يكون جائزاً أو مطلوباً، وأما أن يكون ممنوعاً، وكلها كان إلى المحرم، وهناك صور أخرى تكون الوسيلة طريقاً للمطلوب كتيقن الزواج طريقاً لتحصين الفرج، فإنه يكون في هذه الحالة فرضاً إذا استيقن الوقوع في الزنى إن لم يتزوج، وهكذا كل ما يؤدي إلى المصلحة يكون مطلوباً بطلبها، إذا كان في أصله حلالاً مشروعاً، فأفضاؤه إلى المصلحة يعلي مرتبة الطلب بمقدار طلب هذه المصلحة، وتحققها بوجوده.
ولكن إذا كانت الوسيلة ممنوعة لذاتها، وهي تؤدي حتماً إلى مطلوب، أو حق وإقامة عدل، فهل تكون مطلوبة أو تستمر على حرمتها، كشهادة الزور لإثبات حق قد أنكره المدعى عليه! لقد أجاب عن ذلك ابن تيمية مقرراً مذهب الحنابلة بأنه لا يجوز فقال: ((هذا محرم عظيم؛ عند الله قبيح؛ لأن ذينك الرجلين شهدا بما لا يعلمانه، وهو حملهما على ذلك))(١)
وهذا إذا كان ذلك الأمر الذي اتخذ وسيلة محرماً لذاته كالكذب، فإن كان أصل تحريمه لأنه ذريعة إلى محرم كالنظر إلى عورة الأجنبية، فإنه حرام لأنه ذريعة إلى الزنى غالباً، فإن الحكم في هذه الحال يختلف؛ إذ يباح إذا كان يدفع حاجة، كعلاج
(١) فتاوى ابن تيمية الجزء الثالث ص ٨٥
320