Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
بالمصلحة النفع العام، وبالفساد ما ينزل من الأذى بعدد كبير من الناس، ولذلك إذا كان ما هو مباح للشخص من المنافع الخاصة يؤدي الاستمساك به إلى ضرر عام، أو يمنع مصلحة عامة كان منع الاستمساك مطلوباً سداً للذريعة، وإيثاراً للمنفعة العامة على الخاصة، ولنضرب لذلك بعض الأمثال:
أ - تلقى السلع قبل نزولها في الأسواق وأخذها للتحكم ممنوع؛ لأنه وإن كان في أصله جائزاً؛ لأنه بيع وشراء - إن أجيز كان الناس في ضيق، ولم تستقم حرية التعامل، فيكون في بقاء الإذن ضرر عام، فيمنع الأمر لسد الذرائع، ويكون المنع عاماً، ولو كان لبعض المتلقين نية حسنة محتسبة، وفوق ذلك فإن هناك غبناً محتملاً على البائع، ولذا أثبت أحمد رضي الله عنه له الخيار، سواء أكان هناك غبن بالفعل أم لم يكن.
ب - احتكار الطعام وما يحتاج إليه الناس، فإنه حرام بنص النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحتكر إلا خاطئ) أي آثم، ولولي الأمر أن يمنع الاحتكار، لما يترتب على ذلك من مضار بالناس، فله أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، أو سلاح لا يحتاج إليه والناس يحتاجون إليه في الجهاد وغير ذلك، فإن من اضطر إلى طعام غيره أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره، فأخذه منه بما طلب لم يجب عليه إلا قيمة المثل.
وفي هذا ترى أن ولي الأمر يتدخل لمنع الاحتكار سداً لذريعة الفساد والأذى الذي ينزل بالناس.
حـ - وما أفتى به الإمام أحمد معتمداً على هذا الأصل، أن من احتاج إلى طعام شخص أو شرابه، فلم يعطه، حتى مات جوعاً، وجبت عليه الدية، فكان وجوب الدية، مع أنه لم يقتل لا عمداً ولا خطأ، ولكن كان منعه وسيلة الموت، فكان كالمنسّب فيه، فتجب الدية لهذا السبب، ولسد ذريعة الشر والفساد، ولَبث روح التعاون بين الناس.
318