Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
العبادة لله سبحانه وتعالى، فقد احتسب نيته عند الله في زعمه، ولولا أن الله سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار ذلك حنق المشركين، فسبوا الله عدواً بغير علم، فقد قال تعالت كلماته: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم))، فهذا النهي الحازم الكريم كان الملاحظ فيه النتيجة الواقعة، لا النية الدينية المحتسبة.
٢٠٩- ونرى من هذا السياق أن المنع فيما يؤدي إلى الإثم أو إلى الفساد لا يتجه فيه إلى النية فقط، بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً، فيمنع للنتيجة، وإن كان قد علم الباعث الحسن، والنية المحتسبة.
وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح، فيكون آثماً فيما بينه وبين الله، ولكن ليس لأحد عليه من سبيل، ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعي، كمن يرخص في سلعته، ليضر بذلك تاجراً ينافسه، فإن هذا بلا شك عمل مباح، وهو ذريعة إلى إثم هو الإضرار بغيره، وقد قصده، ومع ذلك لا يحكم على عمله بالبطلان بإطلاق، ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذي ينفذه القضاء، فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر. ومن ناحية الظاهر قد يكون ذريعة للنفع العام والخاص، فإن البائع بلا شك ينتفع من بيعه، ومن رواج تجارته، ومن حسن الإقبال عليه، وينتفع العامة من ذلك الرخص، وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار، ومع ذلك كرهه أحمد إن تبين أن فيه إضراراً بصاحبه على ما نبين.
فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت، بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام، أو إلى دفع الفساد العام، فهو ينظر إلى القصد والنتيجة أو إلى النتيجة وحدها.
٢١٠- والحق أن أصل الذرائع من حيث المنع القضائي، أو بعبارة عامة من حيث الحكم الدنيوي لا تعتبر فيه النية على أنها الأمر الجوهري في المنع أو الإباحة إنما النظر الجوهري إلى النتائج والثمرات، فإن كانت نتيجة العمل مصلحة عامة كان واجباً بوجوبها، وإن كان يؤدي إلى فساد، فهو ممنوع بمنعه؛ لأن الفساد ممنوع، فما يؤدي إليه ممنوع، والمصلحة مطلوبة، فما يؤدي إليها مطلوب، وإن المقصود
317