Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
٨- الذرائع (١)
٢٠٥ - هذا أصل فقهي اعتمد عليه الحنابلة تابعين لإمامهم؛ إذ كان أصلاً من أصول الفتوى عنده، وذلك لأن الشارع إذا كلف العباد أمراً، فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهى الناس عن أمر، فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضاً. وقد ثبت ذلك بالاستقراء للتكليفات الشرعية طلباً ومنعاً، فقد وجدنا الشارع ينهى عن الشيء، وينهى عن كل ما يوصل إليه، ويأمر بالشيء، ويأمر بكل ما يوصل إليه، أمر بصلاة الجمعة، وأمر بالسعي إليها، وأمر بترك البيع لأنه سبيل السعي إليها، وأمر بالمحبة بين الناس، ونهى عن التباغض والفرقة، ونهى عن كل ما يؤدي إليها، فنهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يستام على سوم أخيه أو يبتاع على بيعه، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى التباغض المنهي عنه، وقد قسم الشارع المواريث بين أهلها؛ ونهى عن كل ما يؤدي إلى تغيير قسمته، فنهى عن الوصية لوارث، وعن منع الوارث حقه، ولذلك قرر السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أن المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت ترث، حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث، وإن لم يقصد الحرمان؛ لأن الطلاق في الغالب في هذه الحال يقصد به الحرمان؛ إلا إذا قام الدليل على خلافه، كأن يكون الطلاق بطلبها، فإن ذلك يكون دليلاً على أنه لم يقصد حرمانها؛ ولذلك كان هذا موضع نظر، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزو؛ لئلا يكون ذريعة إلى التحاق السارق بالعدو فيكون عيناً على المسلمين، يكشف عوراتهم....
وهكذا كان كل مطلوب بالقصد الأول قد طلبت وسائله بالقصد الثاني، أو باعتبارها وسائل مجردة، وكل منهي عنه بالذات، تكون وسائله منهياً عنها؛ لأنها تؤدي إليه، وبذلك المنهاج أخذ الإمام أحمد، ومن تبعه، والإمام مالك ومن تبعه
(١) قد بينا ذلك الأصل في كتاب مالك، وهنا تنظر إليه بقدر ما يوضح الفقه الحلي فيه.
314