Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
إن الطوفي يسلك في إثبات قضيته مقدمتين، كلتاهما لا يقرهما أحد: فيفرض في الأولى أن المصالح كلها بينة واضحة غير مبهمة، وأن الاعتماد عليها اعتماد على أمر بين لا إبهام فيه، والعلماء جميعا يرون أن من الأمور ما لا يعرف وجه المصلحة فيه على وجه اليقين، فيكون النص هو النور، ولا يجعلون القرآن عضين، يؤخذ به عند من يتبينون المصلحة فيه، ويخصص، أو لا يعمل به عند من لا يرونها فيه، وقد تختلف بعد ذلك آراؤهم، فيرى الأولون عكس ما كانوا يرون، ويرى الآخرون ما كان يرى الأولون، فتكون نصوص الشارع هزوا ولعباً.
ويفرض في الثانية أن النصوص غير شاملة للمصالح أو ليست أمارات عليها في كل الأحوال، ويقرر العلماء أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مستيقن بها، ويعارضها نص قطعي في سنده ودلالته.
وإنه من الملاحظ على الطوفي فيما ساق من قول أنه لم يأت بمثل واحد، يستيقن الناظر فيه بوجه المصلحة والنص القاطع يخالفها، وإنه كان يتبين له خطأ نظره عندما يحاول أن يجد هذا المثال، فإنه لا يجده بعد طول الاستقراء والتتبع، وعندئذ يرى أن العقول قد تخفى عليها وجوه المصالح في النصوص، ولكنها تهتدي إليها بالبحث والميزان،
٢٠١ - هذا مسلك الطوفي شرحناه، ومحصناه، وبينا زيفه، ولا شك أنه بها في مسلك الإمام أحمد رضي الله عنه، فقد علمت شدة استمساكه بالنصوص، واعتماده عليها، وتقفيه الآثار، وتأثره طريقها، بل إنا لا نجد أحداً من الحنابلة غالى مغالاة الطوفي في الإيمان بالمصلحة، وفرض معارضتها للنصوص، وإنا نجد فقيهين جمعهما به العصر، ولكن فرق بينهما النظر، وهما ابن تيمية، وابن القيم، فقد قرر كلاهما أن النصوص لا يمكن أن تخالف المصالح، ولقد ساقا طوائف من النصوص كانت تخفى وجوه المصالح فيها، فبيناها بجلاء ووضوح، وأسعفهما في ذلك عقل مدرك أريب، عارف بوجوه المصالح، بل إنا نجد ابن تيمية في رسالته في القياس يبين موافقة بعض الأخبار الضعيفة للمصلحة، فكيف بالنصوص الثابتة.
310