310

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

أن تترك المصالح لأمر مبهم يحتمل أن يكون طريقا للمصلحة، ويحتمل ألا يكون. وهنا نجد الطوفي مؤمناً بالمصلحة الإيمان كله، وليته قد تخلف به الزمان، حتى رأى عصرنا الحاضر، وتشابك الاجتماع فيه، وتعقد مسائله، وحيرة العلماء في علاجه، وتضارب آرائهم، وتباين مذاهبهم، حتى إن بعضهم ليرى في الأمر المصلحة كلها، وهي واضحة لديه وحده، ويرى الآخر غيرها، وتتحدر المذاهب من فلسفة الخاصة إلى متناحر العامة، فهذا فوضوي، وذاك اشتراكي، وذلك يناصر رأس المال في قوة، وهذا يناصره باعتدال، وأولئك يدعون إلى أن تكون المناجم ملكا للدولة؛ لتكون منفعتها للكافة، وهؤلاء يدعون إلى أن تكون الأراضي على الشيوع لكل آحاد الأمة، وهؤلاء يمنعون الوراثة، وآخرون يجيزونها بقدر محدود ((وكل حزب بما لديهم فرحون)).

فإذا رأينا النصوص القاطعة تحرم الربا، وجاء أنصار رأس المال من غير اعتدال يرون المصلحة القاطعة عندهم توجب تقييد تحريم الربا، أو تقييد أحواله، فيخصص قوله تعالى: ((وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)) ببعض الأحوال، أو ببعض الناس، أو نحو ذلك، أنكون قد تركنا النص لأمر واضح بين غير مبهم، ألا إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات ولا عاصم لنا من مشتبهات الأزمنة إلا الاعتماد على النصوص القاطعة، ففيها المعاذ، وفيها النور، وفيها الجادة التي لا عوج فيها، والتمسك بها تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

٢٠٠- أن المصالح ليست كلها بينة واضحة المناهج، بل منها ما هو بين لا يحتاج إلى بيان وتعريف، ومنها ما هو ملتبس غير بين، والناس في حياتهم الخاصة والعامة يبتلون بمسائل لا يعرفون فيها وجه الصواب والمصلحة، وأمور الكافة قد يختفي فيها وجه المصلحة، فتكون الدراسة، ولا يمكن أن ينتهي الناس إلى الاجتماع على أن أمراً فيه مصلحة، ويمكن أن يكون من النصوص القرآنية أو الأحاديث الصحيحة ما يعارضه، أو يمنعه.

309