309

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

قطعي في دواعيه وثبوته، وفي هذه الحال يقدم القطعي على الظني، وإن كان النص قرآناً ظني الدلالة خصص، وإن كان خبر آحاد يكون هذا تضعيفاً لنسبته عن طريق الشذوذ في متنه؛ لأنه إن خالف مصلحة راجحة مؤكدة يكون مخالفاً لمجموع الشواهد الشرعية المثبتة لطلب المصالح ودفع المضار.

لم يقف الطوفي عند الحد الذي وضعه المالكيون، ولم يقيد نفسه بما قيد به أحمد ابن حنبل اجتهاده، بل تجاوز الحد، فزعم أن المصالح تقف معارضة للنصوص القطعية وأردف ذلك بزعمه أنها تقف أمام الأمور المجمع عليها، وهذا محز الخلاف، ومفصل القول.

١٩٨- وإن الأدلة التي ساقها ليست قاطعة في دلالتها على مطلوبه، بل الارتباط بينها وبين دعواه ارتباط واه لا يصلح شرطاً لإنتاج دعوى خطيرة كهذه الدعوى التي تفرض أن نصوص الشارع القطعية تجيء مضادة للمصالح، وإن هذه المقدمات التي ساقها لإثبات دعواه تصلح حجة لمخالفه، بل تكون في إثبات النقيض أقوى دلالة وأكثر إنتاجاً؛ فإن قول الله تعالى: ((يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)) تدل على اشتمال نصوص الشريعة على المصالح، لا على احتمال معارضة المصالح لها، فإن الموعظة والهداية والرحمة والشفاء في مطويات نصوصها، فلا يمكن أن تكون معارضة لمصلحة، وإلا ما كانت موعظة، ولا شفاء ولا رحمة، والآيات التي ساقها تثبت أن الأحكام المنصوص عليها فيها جاءت بالمصالح فلا يمكن أن يكون في نصوص الشارع ما يعارض المصالح الحقيقية المعتبرة عند العقلاء مصلحة، لا مجال للشك فيها، والحديث يصرح بأن الشريعة، تمنع الضرر والضرار، وما يكون كذلك من الشرائع لا يمكن أن تكون نصوصه معارضة للمصالح مناهضة لها، ففرض التعاند إذن بين النصوص والمصالح فرض باطل، وما ينبني عليه من تقديم المصالح على النصوص القطعية في دلالتها وسندها باطل أيضاً.

١٩٩- بقي أن نناقش ما زعمه من أن طريق معرفة المصالح طريق واضح فإنه يقرر ذلك، ويقرر أن طريق النصوص المعارضة للمصالح مبهم، وأنه لا يصح

308