Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
عارضتها، لأن المقاصد مقدمة على الوسائل، ولأن النصوص قابلة للنسخ والتخصيص فتخصص بموضع المصلحة، فيعمل الدليلان.
١٩٧- ولنا في كلامه نظرة فاحصة، وقبل أن نخوض في فحص قوله نبين موضع النزاع بينه وبين غيره من الفقهاء الذين ارتضينا طريقتهم، وهم الذين اعتبروا المصلحة أصلاً فقهياً قائماً بذاته يؤخذ بها، وإن لم يكن هناك نص خاص شاهد لها أو نوعها بالاعتبار، فإن بيان موضع النزاع هو الأساس الأول لحسم الخلاف بين المختلفين، بل إن سقراط يحسب أن كل خلاف بين المتجادلين أساسه جهل بموضع النزاع عند أحد الطرفين، ولو حرر لكليهما لحسم الخلاف، وتم الوفاق.
لقد اتفق الذين قالوا إن المصلحة أصل قائم بذاته يؤخذ به، حيث لا نص في الموضع - على أنه حيث وجدت المصلحة المحققة أو التي يغلب على الظن وجودها فهي مطلوبة، وإنما موضع النزاع في التعارض بين المصلحة المحققة والنص القاطع في سنده ودلالته، لقد فرض الطوفي أن التعارض يتحقق، وأنه يقدم المصلحة على ذلك النص، وقرر المالكيون، ومن سلك مسلكهم من الحنابلة غير الطوفي أن المصلحة ثابتة حيث وجد النص، فلا يمكن أن تكون هناك مصلحة مؤكدة أو غالبة، والنص القاطع يعارضها، إنما هي ضلال الفكر، أو نزعة الهوى، أو غلبة الشهوة، أو التأثر بحال عارضة غير دائمة، أو منفعة عاجلة سريعة الزوال، أو على التحقيق منفعة مشكوك في وجودها، وهي لا تقف أمام النص الذي جاء عن الشارع الحكيم وثبت ثبوتاً قطعياً لا مجال للنظر فيه، ولا في دلالته، أما إذا ثبت الحكم بنص قد ثبت بالظن، إذا كان الاحتمال في سنده، أو كانت دلالته ظنية، فقد قرر أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن النص أولى بالاعتبار، والمصلحة الحقيقية فيه، وما عارضه توهم مصلحة كيفما كان.
وأما مالك فقد أثر عنه أنه يخصص ما يثبت بالظن - بالقياس إن تضافرت شواهد القياس واعتمد على أصل مقطوع به، والمصلحة عنده من ذلك الصنف إن ثبتت بطريق قطعي إذ يكون بين أيدينا أصلان متعارضان، أحدهما ظني في سنده أو دلالته، والآخر
307