Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ولقد ساق الأدلة لإثبات دعواه، فذكر الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، ثم قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ».
ثم أخذ يسوق آيات قد لوحظت المصلحة في أحكامها مثل قوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ».
وقد بين وجه تقديم المصلحة على النص فذكر أن النصوص تقبل النسخ، والمصلحة لا تقبله، وإن سلمت النصوص من النسخ لا تسلم من التخصيص، وما يكون غير قابل للإلغاء في بعضه أو كله - هو أقوى مما يقبل الإلغاء في كله بالنسخ، أو في بعضه بالتخصيص.
وإن قيل له إن المصالح ملاحظة في أحكام الشارع من غير شك، ولكن جعلت النصوص معلمة لها، وأدلة عليها، وإن الأخذ بها من غير أدلته تعطيل لتلك الأدلة أجاب عن ذلك بأن الشارع هو الذي جعل المصلحة أصلاً، فتقديمها تقديم بعض الأصول، وإليك كلامه، فهو يقول:
((فإن قيل: الشارع أعلم بمصالح الناس، وقد أودعها أدلة الشرع، وجعلها أعلاماً عليها تعرف بها، فترك أدلته لغيرها مراغمة ومعاندة له - قلنا فأما كونه أعلم بمصالح المكلفين، فنعم، وأما كون ما ذكر ناه تركاً لأدلة الشرع بغيرها، فممنوع، إنما نترك أدلته بدليل شرعي راجح عليها، مستند إلى قوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار»، كما قلتم في تقديم الإجماع على غيره من الأدلة، ثم إن الله عز وجل جعل لنا طريقاً إلى معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركه لأمر مبهم، يحتمل أن يكون طريقاً إلى المصلحة، ويحتمل ألا يكون))
١٦٩ _ هذا مسلك الطوفي يرى في جملته كما رأيت إلى تقديم رعاية المصالح على النصوص، بل النصوص التي يؤيدها الإجماع في مدلولها، وذلك التقديم في المسائل المتعلقة بمعاملات الناس، وذلك لأن شرع الله قاصد إلى المصلحة، ونصوصه وسائل مرشدة إليها، فإن تحققت هي من غير هذه الوسائل قدم اعتبارها إن
306