306

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

له، ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعًا خادمًا له إلا إذا امتثل ما رسم له سيده، وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك ها هنا، ولهذا لما تقيدت الفلاسفة بعقولهم، ورفضوا الشرائع أسخطوا الله عز وجل، وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت هي المعتبرة، وعلى تخصيصها المعول. ولا يقال: إن الشارع أعلم بمصالحهم، فلتؤخذ من أدلته، لأننا قد قررنا أن المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح. ثم إن هذا إنما يقال في العبادات التي تخفى مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا الشرع متقاعدًا عن إفادتها علمنا أنا أحلنا في تحصيلها على رعايتنا))(١)

١٩٥- ومقصد الطوفي من كلامه أن يقدم المصلحة على النص والإجماع، في معاملات الناس، كما هو واضح، إذ أنه يصرح بذلك، فيقول: "إن الاستدلال بالمصلحة أقوى أنواع الاستدلال". ففي رسالته:

"المصلحة وباقي الأدلة إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فيها ونعمت، كما اتفق النص والإجماع والمصلحة على إثبات الأحكام الكلية الخمسة، وهي قتل القاتل، والمرتد، وقطع السارق، وحد القاذف والشارب، ونحو ذلك من الأحكام التي وافقت فيها الأدلة المصلحة، وإن اختلفا، فإن أمكن الجمع بينهما بوجه ما - جمع، مثل أن يحمل بعض الأدلة على بعض الأحكام والأحوال دون بعض على وجه لا يخل بالمصلحة، ولا يفضي إلى التلاعب بالأدلة أو بعضها، وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها، بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" وهو خاص في نفي الضرر المستلزم لرعاية المصلحة، فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام، وباقي الأدلة كوسائل. والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل"(٢)

(١) تفسير المنار المجلد السابع ص ١٩٤، ورسالة الصائح للطوفي ص ٧٧٩ من المنار المجلد التاسع

(٢) الرسالة بالمجلد التاسع من المنار ص ٧٦٧

305