800

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل وبعد تمام الحساب الذي يتعقب البعث قال الله تعالى بعد ذكره تعالى الفصل والقضا بالحق حيث قال تعالى: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون}(1) وذلك القضاء بعد الإحياء بالنفخ في كل صورة، قال تعالى: {ثم نفخ فيه}(2) أي في الصور الذي هو كل صورة ميتة بعد حياة، ثم قال تعالى: {أخرى} يعني تعالى غير النفخة في الصور {الأولى) للفناء التي قال تعالى فيها: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله}(3) ثم قال تعالى: {ثم نفخ فيه} أي في الصور {أخرى فإذا هم قيام}(4) فإذا هم قيام من القبور وغيرها أحياء {ينظرون} الأرض بأبصارهم ويعاينون صدق وعد الله تعالى بالبعث أحياء لمراده تعالى من إقامة العدل الذي هو البعث أحياء للجزاء والأعواض عما مضى، فقال تعالى في ذلك العدل بعد القيام: {وأشرقت الأرض بنور ربها} أي: بعدله تعالى وقضائه الحق وبنور يخلقه تعالى تضيء به الأرض من غير شمس ولا قمر {ووضع الكتاب} كتاب الحسنات والسيئات والقرآن وكتب الأنبياء عليهم السلام وعومل جميع العالم بما يشهد به عليهم ولهم ذلك الكتاب من الجزاء على عمل الخير والشر وعوض الآلام {وجيء بالنبيين} ليشهدوا لأممهم لمن أطاعهم بالطاعة لله تعالى وعلى من عصاهم بالمعصية لله تعالى، والشهداء من المؤمنين من أمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون للأنبياء عليهم السلام بتبليغ الرسالات إلى الأمم، فقال تعالى فيهم: {لتكونوا شهداء على الناس}(1) وجيء برسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يشهد على أمته بطاعة من أطاع الله تعالى بطاعته صلى الله عليه وآله وسلم وعلى من عصاه تعالى بمعصيته صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى في ذلك: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} وقال تعالى: {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}(2) ثم قال تعالى مخبرا بما بعد ذلك: {وقضي بينهم[206ب]} ولم يفعلوا بها الطاعات وخرجوا عما قضت به عليهم عقولهم من فريضة الطاعة لنا ولرسلنا وأنبيائنا لما خالفت تلك الطاعة بعض ما يهوون من انقطاع اللذة بالنساء وغيرها من محاسن الملك والدنيا عليهم في وقت فعل الطاعات واجتناب المحرمات، فخالفوا متمردين مؤثرين لكل هواهم على طاعتنا وأمرنا لهم بالطاعة {فحق عليها القول} وجب عليها الهلاك الذي هو موجب القول بالعذاب للمخالفين بسبب فعل المخالفة {فدمرناها} بذلك العتو والمخالفة واتباع كل الهوى {تدميرا} أهلكناها لذلك بتعجيل عقوبة الاستئصال إهلاكا لا يرد أبدا، وقال تعالى: {فلما آسفونا} أي: أعصونا ولم يرجعوا عن ذلك إلينا بالتوبة في وقت التكليف {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}(3).

مخ ۳۲۶