799

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

قلنا لهم في الجواب: هذا الاستثناء معناه مجمل يعين ذلك المعنى المجمل فيه إلى الأدلة القطعية من الكتاب والسنة ولا يحكم للمجمل بتعيين أي معانيه إلا بدليل قاطع أو ظني في غير أصول الدين ولا يصادمه (أعني الظني) قاطع قد بين بخلاف بيان الظني، وإذا كان المجمل لا بد من بيانه بدليل قاطع في أصول الدين وعلوم الغيب التي هي أصول دين مثل هذا إجماعا، والقرآن يبين بعضه بعضا، ويبين السنة إجماعا لقوله تعالى فيه: {تبيانا لكل شيء}(1) وقوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} مجمل إجماعا يحتمل ما قلتم ويحتمل يوم المحشر، ويحتمل {إلا ما شاء ربك} لأجل قدرته تعالى، فإنه يقدر على أن يخرجهم من النار، ولكن المقطوع في الحكمة ووعده تعالى وعدم استحقاقهم للإحسان، وليس الله تعالى ممن يحتاج إلى الأجر فيعفوا عنهم من غير توبة في وقت قبولها الذي حده تعالى وبينه في غير الآخرة من وقت التكليف في الدنيا ألا يخفف عنهم بقطع العذاب وإدخالهم الجنة بعد دخولهم النار التي هي جزاؤهم مستمرا ساعة واحدة؛ لأنهم ليسوا من أهل الإحسان بالعفو، وإذا احتمل كذلك رجعا إلى تبيينه بالأدلة التي قدمناه وهي محكمة إجماعا، ورددناه إلى وجه من التبيين يوافقها، وإن قلنا فيه بما قلتم ناقضها وأبطل حكمها، ورد المتشابه إلى المحكم معلوم مجمع عليه إذا نقضه المتشابه لقوله تعالى في ذلك: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...الآية} وتأويله رده إلى المحكم إجماعا لقوله تعالى فيه: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} أي أمة في الرد إليهن ما اشتبه في الرد إليهن ما اشتبه معناه بالحق والباطل، فيقول في الفريقين: {إلا ما شاء ربك} وهو يوم المحشر، أو باعتبار قدرة الله تعالى وقادريته تعالى لا يفعل بها وإن قدر خلاف الحكمة وخلاف ما وعد به وتوعد قطعا تعالى علوا كبيرا عن الكذب وقد وعد تعالى وتوعد تعالى بالخلود في النار بغير انقطاع، فلا يبدل تعالى ذلك وكيف يبدله تعالى بإخلافه له تعالى وقد قال تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} ودخولها لمن مات مصرا على معصيته لله تعالى معلومة [206أ] بدليل معلوم فعلها عمدا أو مما لا يعذر المكلف في جهله كأصول الدين بما قدمنا عن الله تعالى من الأدلة المحكمة القطعية من قوله تعالى: {ومن يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}(1) وقوله تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون}(2) وقوله تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين}(3) وإنما استثنى تعالى في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} لما ذكر تعالى ديمومة السماوات والأرض قارنا للخلود به وهما دائمتان وقت المحشر قبل دخول الفريقين الجنة والنار، فاستثنى تعالى من اقتران التخليد المذكور بذلك الدوام للسماوات والأرض يوم المحشر، فقال تعالى في ذلك: {خالدين فيها} في الفريقين {إلا ما شاء ربك} من كل اقتران التخليد بكل دوام السماوات والأرض الذي هو ممتد من قبل البعث بعد فنائهما قبل البعث بعد فنائهما وتبديلهما لئلا يكذب تعالى إذا عمم الاقتران في التخليد بكل دوامهما من غير استثناء، وفي ذلك امتحان لأهل الزيغ، فتبارك الله أصدق القائلين، العدل الحكيم، الحاكم لذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته بالتأويل الصحيح، والدين الحريز عن الخطر، والحمد لله.

مخ ۳۲۴