801

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

دلت هذه الأدلة القاطعة بصريحها أن الله تعالى إذا أقام الحجة على قوم على ألسنة رسله وأنبيائه وأنزل المعجز ليعرفوا أنهم رسله وأنبياؤه وأن الكتب ومن دلهم الأنبياء والرسل والكتب في الاتباع والطاعة هو المتبع وهو يعلم تعالى بعلمه الأزلي الذي ليس زائدا على ذاته وعلمه تعالى هو ذاته لا شيء زائد عليها من المعاني تعالى الله علوا كبيرا إن أولئك القوم لا يهتدون ولا يرجعون إلى الحق بعد النبيين بل يعاندون ويؤثرون هواهم ويجعلون هواهم إلههم قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}(1) فإنه تعالى يعجل لهم في الدنيا أنواعا من العقوبات يمحق بها نعمتهم ويذيقهم تعالى بها البأس الشديد وذلك من الجوع بالحطام وضرب الثمار بالآفات وقبض الأمطار وبالخوف بتسليط الضعف والركة عليهم حتى لا يقدرون على دفع العدو عنهم محقا كان أو مبطلا، وهذا معنى قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}(2) ومن أمثلتها كفار قريش بمكة، وبهلاك التدمير بالآلام والمصائب وبقلة الأرزاق حتى تذهب الأعمار وتخرب الديار، وبالخسف والفناء وهلاك الاستئصال، وكل ذلك تعجيل شيء من العقوبة التي يستحقونها بشؤم أفعالهم لا للتذكر، فهو يعلم تعالى أنهم لا يتذكرون إلا وقد فاتهم الخير وزحف إليهم شر العذاب الذي لا توبة تقبل عنده كتوبة فرعون لعنه الله تعالى التي أخرها وادعى الربوبية إلى وقت الإلجاء على لوح في البحر ومتن الماء، فلم يقبلها الله تعالى أبدا، ولو رد الملعون لعاد للغوى، قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}(1) وأنه تعالى قد يعجل الهلاك لمن ليس فيه مصلحة إسلام أو كماله حتى يكون إيمانا مع انتهاك المحارم من ترك الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل، وفي ذلك قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين}(2) وقال تعالى: {ويمحق [207أ] الكافرين} فهذا كله تعجيل عقوبة، قال تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد}.

فصل [عذاب القبر]

وعذاب القبر لأهله واقع ولكن لا يستمر في كل وقت كعذاب بعد البعث لقوله تعالى: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا}(3) ولو كان مستمرا لم يسموه مرقدا؛ لأن المرقد موضع الهمود والسكون والجمود عما يؤذي، وعذابه {أي القبر) ثابت لقوله تعالى في آل فرعون: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا}(4) والغدو والعشي من أيام الدنيا، وذلك أن الله تعالى يرد الأرواح إلى الأجسام مع العقول ثم يعذبهم، وفي ذلك هذه الآية وأحاديث صحيحة معروضة عليها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

مخ ۳۲۸