بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وأما ما توعدون باعتبار ما توعدون من النار لمن يستحقها، فالمقصود أن الملائكة سكان السماوات بعد إحياء الله تعالى لهم بعد فنائهم في السماوات يحييهم تعالى فيها بعد تبديلها تبديل صفة، ثم بعد ذلك الإحياء يجمع الله تعالى الإنس والجن في المحشر يوم القيامة كما قال تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود}(1)، ثم ينزل الله تعالى من السماء لأمر الحساب ويوليه ثمانية أصناف من الملائكة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} يعني تعالى يحمل [198ب] عرشه تعالى أي: أمر الحساب والتوبيخ وجميع أمور ذلك الجمع في الخمسين ألف عام، وروي لنا بالإسناد الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن في القيامة خمسين موقفا مقام كل موقف ألف سنة))(2) قال الله تعالى: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}(3) فهو حينئذ خمسون موقفا وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر ثمانية أصناف من الملائكة لا يعلم عدد كل صنف منهم أفرادا وجملة إلا الله تعالى، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم}(4) بعد قوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} وهم الجميع الجن والإنس مجموعون في مكان الحشر، وقد روي لنا أنه في أرض الشام، وفي تفسير قول الله تعالى: {واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب}(5) أن المنادي إسرافيل عليه السلام ينادي لاجتماع الخلائق إلى المحشر من مكان قريب من الأرض؛ وهو من على صخرة بيت المقدس وهو من أرض الشام، فيكون المحشر واجتماع الخلائق للحساب حيث النداء وهو أرض بيت المقدس فيكون المحشر ببيت المقدس، فدل ذلك بصريحه أن النار في الأرض لا في السماء، وإنما نسبت إلى السماء في عموم قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}(1) إلا باعتبار أن الملائكة الذين يعقب الله تعالى النار والمجيء بها لمستحقيها بعد حساب أهل السماء من الملائكة لأهل المحشر ويوليهم تعالى من أمورهم بأمره تعالى وإذنه وعلى حساب ما يأمرهم تعالى به؛ فكأن تلك الأفعال من أهل السماء وهم الملائكة جارية مجرى السبب للنار والعذاب بها والوقوع فيها بعد ذلك؛ فكأنها في السماء لما يعقب العقاب بها أعمال أهل السماء من الحساب، ومجيء الله تعالى في قوله تعالى: {وجاء ربك} عبارة عن مجيء أمره تعالى ووحيه تعالى وقوله وإلا فهو تعالى يتعالى عن الزوال والانتقال علوا كبيرا.
مخ ۲۸۷