بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل والانتصاف المذكور إنما يكون بين العقلاء إذا لم يكن الظالم قد راضى المظلوم بشيء من أرزاق الدنيا عن مظلمته، بل مات المظلوم قبل ذلك أو لم يأخذ عوضا عن مظلمته في الدنيا من أرزاقها، بل أبرأ عنها أخاه وعفا عنه، ففي ذلك يقول الله تعالى مرتبا للأجر على العفو بغير عوض في الدنيا من الظالم سواء تاب الظالم أو لم يتب: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله}(1) وقوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}(2) {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}(3) فإن كان المظلوم من أهل النار والظالم من أهل الجنة نقص الله عنه من عذاب النار شيئا من عقاب سيئاته من غير أن يقطع تعالى عنه العذاب ساعة لكن ينقص الله تعالى جزءا منه يستحقه بسيئاته على ما معه من الإجزاء لو لم يظلمه أحد ويخبره الله تعالى أن ذلك إنصاف له ممن ظلمه من أهل الجنة ليعرف عدل الله تعالى لقوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه}(4) ولم يفصل تعالى بين أي داع مؤمن كان أو كافرا أو فاسقا، وفي الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ينصف للجما من ذات القرنين))(5) ولقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} وكل هذا إذا لم يأخذ المظلوم من العقلاء عوض مظلمته من مطامع الدنيا، بل أبرأ وعفا لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} فإن كانا جميعا من أهل النار، فإن كان كل واحد منهما قد ظلم وظلمه غيره من أهل النار جعل الله تعالى لكل حيث استووا في جنس الظلم وقدره شيئا من العذاب إنصافا لصاحبه الذي ظلمه، ويخبر الله تعالى كلا من الظالم المظلوم ومن ظالمه المظلوم أن ذلك القدر من العذاب إنصافا لكل منهما من صاحبه، ويخبر [186أ] وينقص الله تعالى جزءا من عذاب سيئات كل واحد من غير انقطاع العذاب ولا تخفيف باقي العذاب لقوله تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}(1) بقدر ما له من المظلمة، ويخبرهم الله تعالى أن ذلك النقص عوض عن مظالمهم، وحيث اختلفوا فلكل وعليه من العذاب ونقصه بقدر ما فعل وفعل معه، ويخبرهم الله تعالى أن ذلك جزاء عن المظلمة كذلك، وإن كان أحدهما ظالما لنفسه بترك الواجب وفعل القبيح بينه وبين الله تعالى ولم يظلم الخلق وظلم وجني عليه مع ذلك نقص الله تعالى من عقاب سيئاته جزءا من غير انقطاع العذاب، ويخبره تعالى أن ذلك النقص عوض عن مظلمته، وزاد تعالى في عقاب من ظلمه حيث كان الظالم له مكلفا بقدر ظلمه لصاحبه جزءا من العذاب من غير انقطاعه ساعة، ويخبرهما تعالى أن ذلك جزاء عن المظلمة، وهذا التفصيل لقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(2) ولقوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة}(3) ولقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}(4) ولقوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه}(5) ولقوله تعال:
مخ ۲۲۷