بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل وقد ينسب إلى الله تعالى أفعال العباد على طريق المجاز فيما ورد فيه دليل سمعي بعينه، ولا يقاس عليه غيره ولك المجاز من نسبة المسبب إلى السبب، وذلك وارد في اللغة وذلك مثل قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون}(1) يعني تعالى بقوله تعالى: {زينا لهم أعمالهم} أن سبب فعلهم كل عمل خبيث بسبب ما أنعمنا به عليهم من العقل والقدرة على فعل الشر والخير وتركهما والإمهال والأموال وكوننا لم نخل بينهم وبين المعاصي بقهر، فكأننا لما فعلنا ذلك زينا لهم أعمالهم القبيحة، وهذا جار في اللغة، يقول كبراء العرب لسفهائهم إذا لم يعاجلوهم بعقوبة مخالفتهم: نحن الذين زينا لكم ما فعلتم، ولو منعناكم لم تفعلوا؛ وكيف يقال عليه تعالى أنه يزين الأعمال القبيحة على الحقيقة التي هي تزيين رضا، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} تعالى الله علوا كبيرا، وقد يقال قضى الله تعالى أفعال العباد بمعنى أخبرهم تعالى بقبيحها وحسنها وأعلمهم تعالى بها قال تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}(2) أي: أعلمناهم وأخبرناهم بما سيختارون فعله من الفساد والعلو وليس المقصود أنه تعالى قضى إليهم ذلك بمعنى أمرهم بذلك وكيف يقال أنه تعالى قضى إليهم ذلك بمعنى أمرهم به تعالى وقد قال تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}(3) وقد يقال قضى الله تعالى أفعال العباد بمعنى أمرهم تعالى بحسنها، ونهاهم عن قبيحها، قال تعالى في ذلك: {وقضى ربك ان لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}(1) أي: أمرهم تعالى بالإحسان إلى الوالدين ويكون القضا بمعنى الخلق قال تعالى: {وقضاهن سبع سموات في يومين}(2) أي: خلقهن تعالى فلا يقال: قضا الله تعالى أعمال العباد بمعنى خلقها تعالى إذ لو كان كذلك لما نسبها تعالى إليهم خاصة فقال تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} والقضا قد يكون بمعنى الإماتة قال تعالى: {فلما قضينا عليه الموت}.
والقدر قد يكون بمعنى الوقوع في أفعاله تعالى التي يريد إيجادها منه تعالى حتما، والإلزام والإيجاب في حق المخلوقين، قال تعالى في ذلك كله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} أي: وقوعه منه تعالى حتما محتوما إذا علم أنه تعالى سيوجده في أي وقت ومكان.
مخ ۱۴۸