بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وقلنا: وقد يكون بسبب شيء من أفعاله تعالى من فعل المكلف كثواب المكلفين فإنه فعل الله تعالى وسببه امتثال ما أمر الله تعالى به أو نهى تعالى عنه، وقد يكون السبب في نقص الأجل وهو فعل الله تعالى -أعني نقص الأجل بالموت- الحاصل بعد السبب قد يكون سبب نقصه تعالى له بالموت فعل العبد كإلقاء بنفسه إلى التهلكة المعرفة للبينة، أو نزول مواضع الاستدام لغير أهلها، أو قتل نفس بغير حق، فيقتص منه ويؤاخذ بذلك باطلا، أو دعوة إلى خير أو شر فيقتل لأجل ذلك قبل الأجل المتأخر الذي لو سلم ذلك السبب لعاش إليه بإذن الله تعالى، وقد ينقص الله تعالى الأجل لأجل فعل معصية كبيرة ويصر عليها العبد في علم الله تعالى إلى الموت، وقد يزيد فيه تعالى ليزداد العبد الفاجر للاستحقاق إثما، وقد يمتد لفعل الله تعالى إلى آخره لأجل مصلحة عامة أو يرد الدين أو دعوة مجاب، وقد ينتقص الله تعالى منه إذا لم يحصل ذلك مع التمكن منه أو عدمه، وقد ينقص تعالى منه لدعوة مجاب أو دفعا عن مؤمن؛ وذلك كله معلوم له تعالى ومعلوم له سبحانه هل يختار العبد فعلها -أي الأسباب أولا- وهل يتمكن منها أو لا، فيجوز نسبة ذلك بعضه إلى بعض مجازا، ويجب اعتقاد أن الله تعالى يقدر على أن يفعل بغير تلك الأسباب، وأنه تعالى يقدر على الدفع مع حصولها وبمد الأجل ونقصه، وأنه ينخرم عن آخرها على هذه التفصيلات بقول الله تعالى على ذلك كله، وأنه معلوم له تعالى كله، يقول تعالى في ذلك: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير}(1).
قالوا: من قال إنه أجل واحد، قال تعالى: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}(2)؟
قلنا لهم: قد دل الدليل على المد والنقص، فيجب تقييد قوله تعالى: {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} لآخر الآجال مع السلامة أو الأجل حين حدوثه على أي وجه، ولأنه لو كان أجلا واحدا لما وجب القصاص ولا ضمان الحيوانات؛ لأنه لا قصاص فيما أذن الله تعالى به وحتمه، وأن الإنسان لا يتأخر عنه.
قالوا: قال تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}(3).
قلنا: المقصود لو كنتم في بيوتكم لما أطاعكم المؤمنون بالتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و}لبرز الذين كتب عليهم القتل { يعني تعالى حكم عليهم تعالى به بشرط خروجهم ومقاتلتهم ليجمع بين الأدلة وذلك واجب ولقوله تعالى: {قل إن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}(4) فجعلهما تعالى آيتين بواو التخيير ليدل تعالى بذلك على [169أ] أنهما شيئان، والآجال كثير والقتل أحدها وهو خرم لأحدها والله تعالى يعلمه وفي هذا كفاية.
مخ ۱۴۶