بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وفي ذلك كله يقول الله تعالى الملك الجليل تعالى ملزما للعقلاء بما يسكتهم وبما يتيقن من ضرورة عقولهم أن العدم لا تأثير له وأن نفوسهم ومثلهم لا يقدر على خلقهم ولا غيرهم من خلقه تعالى يقول تعالى في ذلك: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون}(1) ويقول تعالى: {هل من خالق غير الله}(2) ويقول تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}(3) ويقول تعالى: {الله خالق كل شيء}(4) ويقول تعالى: {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}(5) ويقول تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}(6) ويقول تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون* ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين}(7) فأخبر تعالى ملزما لهم ومبينا لهم ما قد علموه بضرورة عقولهم أنه تعالى أوجدهم {من سلالة} وهي النطفة {من طين} وذلك آدم عليه السلام {فجعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة...إلى آخر ذلك} فأخبر تعالى وألزمهم ما عرفوا بعقولهم بأنه تعالى خلق أصلهم وفروعهم وذريتهم تعالى شيئا بعد شيء، وأحال تعالى بفعله الطين إنسانا والنطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما، وخلق تعالى عليها لحما، وأنشأه تعالى خلقا غير المتقدم {آخر} يعني تعالى صوره صورة غير صورة الميت بأن أنشأ تعالى فيه الروح الذي خلق تعالى بها الحياة، وأنشأ له تعالى عقلا، وشق له تعالى بفعله سمعا وبصرا، ولينه تعالى لينا غير منبسط، وعدله تعالى بأحسن تقويم، وجعله ينعطف بسهولة بما خلق تعالى فيه من المفاصل، وشبك تعالى بعضه إلى بعض بالعروق والعصب، وأجرى فيه تعالى الدم، وزينه تعالى تزيينا، وألفه تعالى تأليفا، فأخبر تعالى أن [167أ] هذه الأصول والفروع، والوالد والمولود والمحال عنه والمحال إليه كل ذلك فعله تعالى وتبارك، ولو كان بالاستحالة من بعضه عن بعض كاستحالة الرخو من الجمادات شديدا بجفاف ما فيه مخالط لأجزائه من الماء لما قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة} فلو كان للنطفة تأثير أنها تنعكس بنفسها علقة من غير أن ينقلها تعالى بفعله تعالى إلى العلقة لما قال تعالى: {ثم خلقنا النطفة علقة} ولقال تعالى لو كانت استحالت بذاتها إلى العلقة من غير فعله تعالى فلو يكن كذلك لقال تعالى، ثم صارت النطفة أو استحالت النطفة علقة، ثم قال تعالى: {فخلقنا المضغة عظاما} العلقة مضغة ، ولم يقل تعالى فصارت العلقة مضغة، ثم قال تعالى: {فخلقنا المضغة عظاما} ولم يقل تعالى فاستحالة المضغة عظاما، ثم قال تعالى: {فكسونا العظام لحما} ولم يقل تعالى فكست العظام أنفسها لحما، ثم قال تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} ولم يقل تعالى ثم استحال خلقا آخر، ثم قال تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ثم قرن تعالى ذكر الموت والخلق الأخروي بالخلق الابتدائي وبخلق غير الحيوان من السماوات الفوقانية ليعرف ويتقرر لأهل العقول أنه لا فرق بين خلق وخلق سواء كان بعض مرتب على إثر بعض أو بسبب ومسبب، أو محال إليه ومحال عنه، أو أصل أو فرع أو والد أو ولد في أن ذلك كله لا يتصور عقلا ولا سمعا إلا بفعله تعالى؛ لأن في الفروع والمسببات والمعلولات من آثار الحديث وعلاماته مثلما في الأصل والعلة والسببين التجسيم والتأليف والزيادة والنقص والاقتران بالأعراض المحدثة قطعا والاختلاف والافتراض، فلا فرق بين فرع وأصل، ولا يقدر على خلق شيء من ذلك إلا الله تعالى، ولا تقدر الملائكة عليهم السلام إذا نزلت إلى الأنبياء عليهم السلام في صورة الرجال ولا الجن يقدر أن يكون شيئا من صور الحرشات أو نحو ذلك، فلا تقدر الملائكة ولا الجن قطعا تحول صورها غير ما خلقها الله تعالى عليه من الصورة إلا بفعل الله تعالى، وخلقه تعالى لها في الصورة الثانية في الإنسانية، ولا تقدر على إعادة أنفسها إلى الصورة الأولى إلا إذا أعادها تعالى وردها إلى تلك الأولى بفعله تعالى لا بأفعال أنفسها لعجزها عن ذلك لما فيها من أثر الحدث القاضي قطعا بعجزها عن خلق أنفسها وتحويل صورها إلى صور غيرها، وفي ذلك كله يقول الله تعالى مبطلا لأقوال فرق الكفر كلها وأقوال المدعين أن بعض الخلق يقدر على تحويل شيء من صورته إلى صورة غيره يقول تعالى في إبطال ذلك كله: {هل من خالق غير الله} وقال تعالى: {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}(1) وقال تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}(2) وقال تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}(3) وجعل تعالى انتفاء خلق غيره تعالى دليلا على انتفاء الشركاء -تعالى- له بالإلهية بقوله تعالى منكرا على الجاعلين [167ب] له تعالى شركاء من العقلاء من غير دليل لعدم وجوده واستحالته: {أم جعلوا له شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} فلو كان يوجد من المخلوقين أو من أي مخلوق ملك أو غيره خلق مخلوق أو خلق صورة إلى صوره لما أمرهم تعالى أن يستدلوا بانتفاء الخلق من غيره تعالى على أنه تعالى لا شريك له في الإلهية، إذ لو كان قد وجد من غيره تعالى أو غيره تعالى يقدر لم يكن فيه -أعني المخلوق- دليل على التوحيد، بل دليل أنه يحتاج إلى فاعل أي فاعل تعالى الله علوا كبيرا عن قول من كذب عليه تعالى أو نسب إلى المخلوقين الخلق أو جعلهم مشاركين له تعالى في ذلك، فقد قال المحال عقلا وسمعا تعالى الله علوا كبيرا، ويكفر من قال بهذه المقالات ولا يبينها له عقل ولا سمع وما لا دليل عليه عقلا ولا سمعا لا يحل القول به أبدا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق* ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}(1) يعني تعالى ومن الناس من يجادل في حقه تعالى من إثبات عليه تعالى ومعه تعالى ما يستحيل وجوده من غيره تعالى من نسبة بعض خلقه تعالى إلى العلة والاستحالة الفروع عن أصولها كالأبناء عن الآباء والحيوان من الطين ومن النطفة والعلقة عن النطفة والمضغة عن العلقة ونحو ذلك من طبع المحل كالأرحام أو التحويل من خلقة إلى خلقة أخرى من غير فعله تعالى وتحويله تعالى أو يصف الله تعالى ويقول عليه تعالى ما لا يثبته العقل ولا السمع من غلو الغالين كالمعتزلة من وصف زائد على ذاته تعالى لا هو هو تعالى ولا هو غيره ولا قديم ولا محدث ولا شيء ولا لا شيء، فلم يثبت هذا عقلا ولا سمعا، ومن نسبة المجبرة للقبيح إليه تعالى، ونزهوا نفوسهم عن القبيح، كأنهم في دعواهم لعنهم الله تعالى خيرا من الله لعنهم الله تعالى.
مخ ۱۴۰